:: مظلومية الإمام علي عليه السلام ::
عدد الضغطات : 218:: مظلومية السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام ::
عدد الضغطات : 214
:: التشيع الحقيقي ::
عدد الضغطات : 391

 
 
العودة   منتديات أبو الفضل العباس عليه السلام > ¤©§][§©¤][ المنتديات الإداريه ][¤©§][§©¤ > أرشيف أبو الفضل العباس (ع)
 
   

أرشيف أبو الفضل العباس (ع) المواضيع المكررة تنقل هنا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-17-2009, 09:37 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
حيدر الكربلائي
الدم الأحمر تفجر
الطويرجاوےِ

 
الصورة الرمزية حيدر الكربلائي
 
وسام الإدارة ADMIN3 وسام الوفاء 
مجموع الاوسمة: 3 (أكثر» ...)
إحصائية العضو









حيدر الكربلائي غير متواجد حالياً

 

 

 

افتراضي الجزء الثاني للرد على الشبهات الواردة على مذهب اهل البيت عليهم السلام


الشبهة السادسةوهي حول :


(( مسألة المسح على الأرجل في الوضوء ))

مقدّمة:

لقد اختلف المسلمون في اُمور من شؤون العقيدة وجوانب الشريعة، والمتتبع لهذه الاختلافات، يلاحظ أن بعضها مما يُتوقع ظهوره، لأن موضوعاتها متشابكة ومعقّدة، وتنطوي على ملابسات كثيرة، بحيث لا يتيسر لكل أحد من الناس الخوض فيها، فإذا خاض فيها من ليس أهلاً لها، ظهر الاختلاف والتبس الأمر على الناس، وخفيت الحقيقة، مثل مسألة الجبر والتفويض، ومسألة خلق القرآن، ومسألة المعاد الجسماني، وأكثر مسائل العقيدة من هذا النوع. فلو وقفت ظاهرة الاختلاف بين المسلمين عند حد هذا النوع من المسائل التي للخلاف فيها مناشئ مألوفة لما كانت هذه الظاهرة مثيرة للاستفهام والتساؤل. لكن المتتبع لها يجدها قد تجاوزت هذا الحد ودخلت في اُمور يُستبعد فيها الخلاف، كالخلاف في كيفية الوضوء، والخلاف في أن البسملة جزء من السورة في الصلاة أم لا؟ والخلاف في حال اليدين أثناء الصلاة، وأمثال ذلك من الاُمور التي كانت مورداً لعمل النبي(صلى الله عليه وآله) بنحو يوميٍّ متكرر وعلى مدى ثلاث وعشرين عاماً، وبمرأى ومسمع من المسلمين، فإن الخلاف في مثل هذه الاُمور يشكل ظاهرة غريبة تستحق المزيد من البحث والتحقيق على الصعيد التاريخي من أجل التوصل الى العامل الحقيقي الذي كان وراء ظهور هذه الاختلافات غير الطبيعية، ويشكل البحث التاريخي فيها مقدمة ضرورية للبحث الفقهي.

ومسألة حكم الرِجلين في الوضوء من حيث المسح أو الغسل من جملة هذه المسائل التي يفترض وضوحها وعدم وقوع الخلاف فيها، لكنها وخلافاً للمتوقع كانت معركة الآراء بين الفقهاء، والمدارس الفقهية. بين قائل بوجوب المسح ـ وهم الإمامية، وعليه ابن عباس[انظر الفقه على المذاهب الأربعة ومذهب أهل البيت: 1 / 122 ط دار الثقلين] ـ وقائل بوجوب الغسل ـ وهم بعض أئمة أهل السنة[الفقه على المذاهب الأربعة: 1/54.
] ـ وقائل بالتخيير ـ كمحمد بن جرير الطبري، والحسن البصري، فيما نقله الرازي وغيره عنهما[التفسير الكبير : 11/166.] ـ وقائل بوجوب الجمع بينهما في الوضوء، وعليه داود بن علي الظاهري، والناصر للحق من الزيدية[المصدر السابق].


مع آية الوضوء أولاً

وقبل الورود في بحث هذه الآراء وأدلتها، لابد من إيراد آية الوضوء الوحيدة في القرآن الكريم وهي قوله تعالى: (يا أيّها الذين آمنوا إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم الى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم الى الكعبين)[سورة المائدة : 6].

وهذه الآية تتضمن بحوثاً فقهية من جهات عديدة ترتبط بأجزاء الوضوء، ومنها الجزء الأخير المتمثل بحكم القدمين، فالآية تخاطب المكلفين وترسم لهم كيفية الوضوء، وتبين أن الأعضاء التي يقع عليها الوضوء من بدن الإنسان على قسمين: قسم يُغسل، وآخر يُمسح، أما القسم المغسول، فهو قوله تعالى: (فاغلسوا وجوهكم وأيديكم الى المرافق)، وأما القسم الممسوح، فهو قوله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم الى الكعبين).

وهكذا فالآية تشتمل عى وضوح تام فيما يرتبط بحكم القدمين ووظيفتهما الوضوئية، فهما من القسم الممسوح الذي جاء بعد قوله: وامسحوا، ولو كان من القسم المغسول لكان من المناسب مجيئهما بعد قوله: فاغسلوا، وهذا من بديهيات اللغة، وهو ثابت لا يتغير سواءً قرئت كلمة «أرجلكم» الواردة في الآية بالجر أو بالنصب، فإنها إن قرئت بالجر، كما هي قراءة ابن كثير وحمزة وأبي عمرو وعاصم في رواية أبي بكر عنه، فقراءة الجر تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس، وهما معاً يشكلان القسم المحكوم بالمسح من أعضاء الوضوء، وإن قرئت بالنصب، كما هي قراءة نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه، فإنها توجب المسح أيضاً، لأن كلمة «رؤوسكم» في قوله: (وامسحوا برؤوسكم)هي في محل نصب لكنها مجرورة بالباء، ثم عطفت آية الأرجل على الرؤوس، فقالت: (وامسحو برؤوسكم وأرجلكم)فأصبحت الأرجل معطوفة على محل الرؤوس، فجاز قراءتها بالنصب عطفاً على محل الرؤوس، وجاز قراءتها بالجر عطفاً على الظاهر.

وهذا ما ذكره الفخر الرازي وعقب عليه، بقوله: وهذا مذهب مشهور للنحاة[التفسير الكبير: 11/161].


أدلة القائلين بالغسل

القول بالغسل هو الذي مضت عليه المذاهب الأربعة، واستدلوا عليه بأدلة عديدة، منها ما ذكره الفخر الرازي في تفسيره، حيث كتب يقول:

«إن الأخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل، والغسل مشتمل على المسح، ولا ينعكس، فكان الغسل أقرب الى الاحتياط، فوجب المصير إليه، وعلى هذا الوجه يجب القطع بأن غسل الرجل يقوم مقام مسحها.

وإن فرض الرجلين محدود الى الكعبين، والتحديد إنما جاء في الغسل لا في المسح...»[ التفسير الكبير : 11 / 162.].

وقال القرطبي : (إن الفرض في الرجلين الغسل دون المسح، وهذا مذهب الجمهور والكافة من العلماء، وهو الثابت من فعل النبي(صلى الله عليه وآله)، واللازم من قوله في غير ما حديث، وقد رأى قوماً يتوضؤون وأعقابهم تلوح، فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار اسبغوا الوضوء». ثم إن الله حدها، فقال: الى الكعبين، كما قال في اليدين: الى المرافق، فدلّ على وجوب غسلهما...)[الجامع لأحكام القرآن : 6 / 91].

وقال محمد رشيد رضا: «وأما الجمهور فقد أخذوا بقراءة النصب وأرجعوا قراءة الجر إليها، وأيدوا ذلك بالسنة الصحيحة وإجماع الصحابة، ويزاد على ذلك أنه هو المنطبق على حكمة الطهارة، وادعى الطحاوي وابن حزم أن المسح منسوخ، وعمدة الجمهور في هذا الباب عمل الصدر الأول، وما يؤيده من الأحاديث القولية، وأصحها حديث ابن عمر في الصحيحين، قال: تخلف عنا رسول الله(صلى الله عليه وآله) في سفرة فأدركنا وقد أرهقنا العصر فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، قال فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار، مرتين أو ثلاثاً...»[تفسير المنار : 6 / 228] .

هذه خلاصة ما استدلّ به القائلون بالغسل على رأيهم.


أدلة القائلين بالمسح

والقائلون بأن حكم الأرجل في الوضوء هو المسح هم الإمامية، وأدلتهم على ذلك هي آية الوضوء والأخبار الكثيرة، فضلاً عن أخبار أئمة أهل البيت(عليهم السلام) . وآية الوضوء هي قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم الى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم الى الكعبين...)، والاستدلال بالآية تارة يكون على أساس قراءة الجر في (وأرجلكم) واُخرى على أساس قراءة النصب، فإن قُرئت بالجر ـ كما هي قراءة ابن كثير وحمزة وأبي عمرو وعاصم ـ فدلالتها على وجوب مسح الأرجل تكون من أوضح الواضحات، فالآية جمعت بين الرؤوس والأرجل بحكم واحد هو المسح، وجعلت الأرجل معطوفة على الرؤوس ومحكومة بحكمها.

ورغم وضوح هذه النتيجة، وتسليم عدد من الأعلام بها كالفخر الرازي في تفسيره للآية، وابن حزم في المحلّى، نجد علي بن محمد الماوردي يدّعي بأن القراءة المخفوضة: (يمكن حملها على أحد وجهين، أحدهما على مسح الخفين فيكون اختلاف القراءتين على اختلاف المعنيين، الثاني: أنه محمول على عطف المجاورة دون الحكم...)[الحاوي الكبير : 1 / 125] بمعنى أن القراءة المخفوضة لا تحتم الحكم بالمسح. وهو ادعاء غريب جدّاً، فإن الظاهر من (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) المباشرة بين الأيدي والأرجل، والمباشرة لا تتم مع وجود الخف، وحينئذ يحتاج الفقيه في مسألة الخف الى دليل آخر غير هذه الآية، ولو كان الأمر كما يدّعي لكان واجباً على من آمن بالقراءة المخفوضة أن لا يمسح رجليه ولا يغسلهما، بل يلبس الخف ويمسح عليه، وسيرة المتشرعة جرت على مسح الرجلين أو غسلهما. وليس فيها لزوم لبس الخف والمسح عليه. ثم لماذا يرتكب الفقيه هذا التأويل البعيد للآية ويهجر التأويل الطبيعي الذي يساعد عليه العرف والسيرة واللغة؟ هذا في الاحتمال الأول الذي احتمله.

أما الاحتمال الثاني فهو مردود من قبل اللغويين والمفسرين معاً. وقد أجاد الفخر الرازي في ردّه حيث قال: «فإن قيل لِمَ لا يجوز أن يقال هذا كسر على الجوار، كما في قوله جحر ضب خرب، وقوله كبير اُناس في بجاد مزمل؟ قلنا: هذا باطل من وجوه، الأول: أن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يتحمل لأجل الضرورة في الشعر. وكلام الله يجب تنزيهه عنه، وثانياً: أن الكسر إنّما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس... وفي هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل، وثالثها: أن الكسر بالجوار إنّما يكون بدون حرف العطف، وأما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب...»[التفسير الكبير : 11 / 161 طبع دار الكتب العلمية]، ولذا آمن الفخر الرازي بأن قراءة الجر تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس، وانّه كما وجب المسح في الرأس فكذلك في الأرجل... هذا على قراءة الجر.

أما قراءة النصب فهي الاُخرى توجب الحكم بالمسح، وذلك كما قال الرازي: لأن قوله: (وامسحوا برؤوسكم) فرؤوسكم في محل النصب ولكنها مجرورة بالباء، فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفاً على محل الرؤوس والجر عطفاً على الظاهر، وهذا مذهب مشهور للنحاة. إذا ثبت هذا، فنقول: ظهر أنّه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله «وأرجلكم» هو قوله: «وامسحوا»، ويجوز أن يكون قوله: «فاغسلوا»، لكن العاملان ـ كذا ـ إذا اجتمعا على معمول واحد كان اعمال الأقرب أولى، فوجب أن يكون عامل النصب في قوله : «وأرجلكم» هو قوله: «وامسحوا»، فثبت أن قراءة النصب (وأرجلَكم) بنصب اللام توجب المسح أيضاً...[التفسير الكبير : 11 / 161].

وأن إيجاب الغسل في هذه القراءة لا يتم إلاّ على مذهب نحوي باطل، وهو عطف الأرجل على الوجوه، وهو باطل لوجود الفاصل بينهما، وأن المعطوف عليه إذا تعدد اُختير الأقرب وهو الرؤوس في الآية، وتُرك الأبعد وهو الوجوه.

ومن هنا آمن الفخر الرازي بأن آية الوضوء توجب المسح، لكنه ردّ هذا الحكم ولم يسلّم به محتجاً بوجوه ضعيفة ذكرها في تتمة كلامه السابق وهي:

1 ـ الأخبار الواردة بإيجاب الغسل، وهي أخبار بعضها غير دال على الغسل، وهناك ما يعارضها ويوافق حكم المسح، ومع التعارض لابد من القول ـ على الأقل ـ بالتساقط والرجوع الى الكتاب العزيز. وقد أجاد السيد عبدالحسين شرف الدين في ردّ هذا الوجه، حيث كتب يقول:

أخبار الغسل قسمان:

منها ما هو غير دال عليه، كحديث عبدالله بن عمرو بن العاص إذ قال: ـ كما في الصحيحين ـ تخلّف عنّا النبي(صلى الله عليه وآله) في سفر سافرناه معه فأدركنا وقد حضرت صلاة العصر فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى: «ويل للأعقاب من النار»[هذه الكلمة ـ ويل للأعقاب من النار ـ جاءت أيضاً في حديث كل من عمر وعائشة وأبي هريرة صحيحة على شرط الشيخين].

وهذا لو صحّ لاقتضى المسح، إذ لم ينكره(صلى الله عليه وآله) عليهم بل أقرهم عليه كما ترى، وإنما أنكر عليهم قذارة أعقابهم[وهذا ما آمن به محمد رشيد رضا في تفسير المنار أيضاً : 6 / 288]، ولا غرو، فإنّ فيهم أعراباً جهلة بوالين على أعقابهم ولا سيما في السفر فتوعدهم بالنار، لئلاّ يدخلوا في الصلاة بتلك الأعقاب المتنجسة.

ومنها ما هو دال على الغسل، كحديث حمران مولى عثمان بن عفان، إذ قال: رأيت عثمان وقد أفرغ على يديه من انائه فغسلهما ثلاث مرات ثم أدخل يمينه في الوضوء ثم تمضمض واستنشق واستنثر... الحديث[صحيح البخاري: 1/140، باب 120]، وقد جاء فيه ثم غسل كل رجل ثلاثاً. ثم قال: رأيت النبي(صلى الله عليه وآله) يتوضأ نحو وضوئي، ومثله حديث عبدالله بن زيد بن عاصم الأنصاري، وقد قيل له: توضأ لنا وضوء رسول الله(صلى الله عليه وآله)فدعا بإناء فأكفأ منها على يديه... الحديث[صحيح مسلم بشرح النووي: 3/121، كتاب الطهارة، باب آخر في صفة الوضوء] وفي آخره ثم غسل رجليه الى الكعبين. ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله(صلى الله عليه وآله)الى غير ذلك من أخبار جاءت في هذا المعنى.

وفيها نظر من وجوه:

أحدها: أنّها جاءت مخالفة لكتاب الله عزّ وجلّ ولما أجمعت عليه أئمة العترة الطاهرة[أجمعوا(عليهم السلام) على وجوب المسح وتلك نصوصهم في وسائل الشيعة الى أحكام الشريعة وفي سائر المؤلفات في فقههم وحديثهم] والكتاب والعترة ثقلا رسول الله(صلى الله عليه وآله) لن يفترقا أبداً ولن تضل الاُمة ما إن تمسكت بهما، فليضرب بكل ما خالفهما عرض الجدار.

وحسبك في انكار الغسل ووهن أخباره ما كان من حبر الاُمة وعيبة الكتاب والسنّة عبدالله بن عباس إذ كان يحتج للمسح فيقول[كما في ص 103 من الجزء الخامس من كنز العمال وهو الحديث 2213]: افترض الله غسلتين ومسحتين، ألا ترى أنه ذكر التيمم فجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المسحتين.

وكان يقول[كما في ص 103 من الجزء الخامس من الكنز، وهذا هو الحديث 2211] : الوضوء غسلتان ومسحتان[ومنه أخذ الإمام الشريف بحر العلوم في منظومته الفقهية (درة النجف) اذ يقول:

إن الوضوء غسلتان عندنا***ومسحتان والكتاب معنا

فالغسل للوجه ولليدين***والمسح للرأس وللرجلين]

ولما بلغه أن الربيع بنت معوذ بن عفراء الأنصارية تزعم أن النبيّ(صلى الله عليه وآله) توضأ عندها فغسل رجليه، أتاها يسألها عن ذلك وحين حدثته به، قال ـ غير مصدق بل منكراً ومحتجاً ـ إن الناس أبوا إلاّ الغسل ولا أجد في كتاب الله إلاّ المسح[اخرجه ابن ماجة فيما جاء في غسل القدمين (باب 56) من الجزء الأول من سننه وغير واحد من أصحاب المسانيد وأيضاً توجد في كنز العمال : 9/432 ح 26837 مع اختلاف يسير].

ثانيها: أنها لو كانت حقّاً لأربت على التواتر; لأن الحاجة الى معرفة طهارة الأرجل في الوضوء حاجة عامة لرجال الاُمة ونسائها، أحرارها ومماليكها، وهي حاجة لهم ماسة في كل يوم وليلة، فلو كانت غير المسح المدلول عليه بحكم الآية، لعلمه المكلفون في عهد النبوّة وبعده، ولكان مسلَّماً بينهم، ولتواترت أخباره عن النبي(صلى الله عليه وآله) في كل عصر ومصر. فلا يبقى مجال لانكاره ولا للريب فيه. ولما لم يكن الأمر كذلك، ظهر لنا الوهن المسقط لتلك الأخبار عن درجة الاعتبار.

ثالثها: انّ الأخبار في نوع طهارة القدمين متعارضة، بعضها يقتضي الغسل كحديثي حمران وابن عاصم وقد سمعتهما، وبعضها يقتضي المسح كالحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه[نقله عنهم العسقلاني في الاصابة: 1/187، في ترجمة تميم بن زيد]، ورواه كلّ من أحمد، وابن أبي شيبة، وابن أبي عمر، والبغوي، والطبراني، والماوردي، كلّهم من طريق كلّ رجاله ثقات[واصفهم بكونهم كلهم ثقات ابن حجر العسقلاني حيث أورد هذا الحديث في ترجمة تميم بن زيد من القسم الأول من الاصابة نقلاً عمن ذكرناهم من أصحاب المسانيد]. عن أبي الأسود عن عباد بن تميم، عن أبيه قال: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله)يتوضأ ويمسح على رجليه.

وكالذي أخرجه الشيخ في الصحيح عن زرارة وبكير ابني أعين عن الباقر(عليه السلام) أنه حكى وضوء رسول الله(صلى الله عليه وآله) فمسح رأسه وقدميه الى الكعبين بفضل كفيه ولم يجدد ماءً[تهذيب الأحكام : 1/56 ح 158].

وعن ابن عباس أنه حكى وضوء رسول الله(صلى الله عليه وآله) فمسح على قدميه[مجمع البيان : 3/207].

وحيث تعارضت الأخبار، كان المرجع كتاب الله عزّ وجلّ لا نبغي عنه حولاً»[المسائل الفقهية : 92 ـ 95].

هذا نص ما أفاده(قدس سره).

كما آمن ابن حزم بأن القرآن يحتم حكم المسح بالنسبة للرجلين في الوضوء، وقال: (ان القرآن نزل بالمسح) سواءاً قرأنا الآية بالخفض أو بالنصب، وأن جماعة من السلف قد قالوا بالمسح، منهم: الإمام علي(عليه السلام)، وابن عباس، والحسن، وعكرمة، والشعبي، وجماعة غيرهم، وهو قول الطبري، ورويت في ذلك آثار[المحلى : 2/56 ـ 57].

لكنه ذكر بعد ذلك خبر «ويل للأعقاب من النار» واعتبره ناسخاً للآية القرآنية، وقد اتضح أن هذا الخبر يؤيد الآية فكيف يكون ناسخاً لها؟ ويرد عليه أيضاً ـ كما ذكره الفخر

الرازيـ بأن نسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز[التفسير الكبير : 11 / 163].

2 ـ وذكر الفخر الرازي للقول بالغسل وجهاً آخر هو: ان الغسل مشتمل على المسح، ولا ينعكس، فكان الغسل أقرب الى الاحتياط، فوجب المصير إليه، وعلى هذا الوجه يجب القطع بأن غسل الرجل يقوم مقام مسحها. وردّ عليه السيد عبدالحسين شرف الدين بقوله:

«وأما قوله بأن الغسل مشتمل على المسح فمغالطة واضحة، بل هما حقيقتان لغة وعرفاً وشرعاً[لأن الغسل مأخوذ في مفهومه سيلان الماء على المغسول ولو قليلاً والمسح مأخوذ في مفهومه عدم السيلان والاكتفاء بمرور اليد على الممسوح]، فالواجب إذاً هو القطع بأنّ غسل الأرجل لا يقوم مقام مسحها.

لكن الإمام الرازي وقف بين محذورين: هما مخالفة الآية المحكمة ومخالفة الأخبار الصحيحة في نظره، فغالط نفسه بقوله: إن الغسل مشتمل على المسح وانّه أقرب الى الاحتياط وانّه يقوم مقام المسح، ظنّاً منه بأنه قد جمع بهذا بين الآية والأخبار، ومن أمعن في دفاعه هذا وجده في ارتباك، ولولا أن الآية واضحة الدلالة على وجوب المسح ما احتاج الى جعل الغسل قائماً مقامه، فأمعن وتأمل ملياً»[المسائل الفقهية: 90].

3 ـ ذكر الفخر الرازي وجهاً آخر للقول بغسل الرجلين في الوضوء وهو أن الآية جعلت حكم الرجلين محدود الى الكعبين، وهذا التحديد ينسجم مع الغسل، لأن الكعبين عبارة عن العظمين الناتئين من جانبي الساق، وقد مرّ أن هذا الوجه ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن أيضاً، وقد تصدى السيد عبدالحسين شرف الدين(قدس سره) للإجابة عليه بقوله:

«الكعبان في آية الوضوء، هما: مفصلا الساقين عن القدمين[وقيل هما قبتا القدمين والأول أحوط وأقوى]بحكم الصحيح عن زرارة وبكير ابني أعين إذ سألا الباقر(عليه السلام)عنهما[في حديث رواه الشيخ الطوسي بسنده الصحيح إليهما وقد قالا للإمام فأين الكعبان؟ قال(عليه السلام): ها هنا يعني المفصل دون الساق] وهو الظاهر مما رواه الصدوق عنه أيضاً[ روى الصدوق عن الباقر(عليه السلام) وقد حكى صفة وضوء رسول الله(صلى الله عليه وآله) . فقال: ومسح على مقدم رأسه وظهر قدميه دون عظمي الساقين] وقد نصّ أئمة اللغة على أن كل مفصل للعظام كعب[كعب الإنسان: ما أشرف فوق رسغه عند قدمه، وقال البعض: العظمان اللذان في ظهر القدم، لسان العرب: 1/718، حرف الباء، مادة كعب. وفي مصباح المنير: (1 ـ 2) / 534، الكعب: العظم الناشز في جانب القدم عند ملتقى الساق والقدم فيكون لكل قدم كعبان].

وذهب الجمهور الى أن الكعبين هنا إنّما هما العظمان الناتئان في جانبي كل ساق. واحتجّوا بأنه لو كان الكعب مفصل الساق عن القدم، لكان الحاصل في كل رجل كعباً واحداً، فكان ينبغي أن يقول وأرجلكم الى الكعاب، كما أنّه لمّا كان الحاصل في كل يد مرفقاً واحداً، قال: (وأيديكم الى المرافق).

قلت: ولو قال هنا الى المرفقين لصحّ بلا اشكال، ويكون المعنى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم الى مرفقي كل منكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم الى الكعبين من كل منكم، فتثنية الكلمتين في الآية وجمعهما في الصحة سواء، وكذلك جمع إحداهما وتثنية الاُخرى ولعل التفنن في التعبير قد اقتضاه .

هذا إذا كان الحاصل في كل رجل كعباً واحداً، أما إذا كان الحاصل في كلّ رجل كعبين فلا يبقى لكلامهم وجه، وقد أجمع علماء التشريح على أن هناك عظماً مستديراً مثل كعب البقر والغنم تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم يسمى كعباً أيضاً[وقد ذهب محمد بن الحسن الشيباني والأصمعي الى أن الكعب في آية الوضوء إنما هو هذا العظم تحت الساق. وكان الأصعمي، يقول: إن العظمين الناتئين في جانبي الساق يسميان المنجمين، وظن الرازي إن هذا هو مذهب الإمامية فرد عليهم بأن العظم المستدير الموضوع تحت الساق شيء خفي لا يعرفه إلاّ المشرحون بخلاف الناتئين في طرفي كل ساق فإنهما محسوسان (قال) ومناط التكاليف العامة يجب أن يكون أمراً ظاهراً لا خفياً. والجواب أن الرازي لما رأى الإمامية يمسحون الى مفصل الساق ظنهم يقولون بما قاله الشيباني والأصمعي ولم يدر أن الكعب عندهم هو المفصل نفسه المحسوس المعلوم لكل أحد]، وعليه، فمسح كل رجل ينتهي الى كعبين اثنين هما المفصل نفسه والكعب المستدير تحته. وفي تثنية الكعب في الآية دون المرفق نكتة لطيفة وإشارة الى ما لا يعلمه إلاّ علماء التشريح. فسبحان الخلاق العليم الحكيم»[المسائل الفقهية : 98 ـ 99].

وهكذا يبدو بوضوح أن اختيار فقه الجمهور للقول بالغسل قد أوقعهم في محنة التعارض مع القرآن الكريم، فراحوا يتأولون الوجوه البعيدة ويركبون كل صعب وذلول من أجل إثبات مدعاهم ومن جملة من أدلى بدلوه في هذا المضمار الزمخشري في تفسير الكشاف، وقد ذكر السيد عبدالحسين شرف الدين محاولته التوفيقية ثم أجاب عنها، فكتب يقول:

وتفلسف الإمام الزمخشري في كشافه حول هذه الآية إذ قال: «الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها، فكانت مظنّة للاسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث الممسوح لا لتمسح، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها، (قال): وقيل (الى الكعبين) فجيء بالغاية إماطة لظن ظان يحسبها ممسوحة، لأن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة»[تفسير الكشاف : 1 / 611].

هذه فلسفته في عطف الأرجل على الرؤوس وفي ذكر الغاية من الأرجل، وهي كما ترى ليست في شيء من استنباط الأحكام الشرعية عن الآية المحكمة، ولا في شيء من تفسيرها، ولا الآية بدالّة على شيء منها بشيء من الدوال، وإنّما هي تحكم في تطبيق الآية على مذهبه بدلاً من استنباط المذهب من الأدلة، وقد أغرب في تكهنه بما لا يصغي إليه إلاّ من كان غسل الأرجل عنده مفروغاً عنه بحكم الضرورة الأوّلية، أما مع كونه محل النزاع فلا يعتنى به ولا سيما مع اعترافهم بظهور الكتاب في وجوب المسح. وحسبنا في ذلك ما توجبه القواعد العربية من عطف الأرجل على الرؤوس الممسوحة بالاجماع نصاً وفتوى»[المسائل الفقهية : 92] .

ومن جملة المحاولات أيضاً قولهم: إن الحكم بالغسل هو المنطبق على حكمة الطهارة، وأن الطهارة هي المبالغة في النظافة التي شُرع الوضوء والغسل لأجلها[تفسير المنار : 6 / 228 ـ 234].

وواضح أن مثل هذا الجواب يتم عند من يقول بالاستحسان، أما الذي لا يقبل الاستحسان، كمصدر من مصادر التشريع فلا يكون تاماً عنده، بل هو لا يتم حتى عند من يرى الاستحسان، لأن الاستحسان عند القائلين به دليل عند فقد الدليل القرآني أو النبوي، والمفروض ـ كما يسلم به صاحب تفسير المنار ـ أن الدليل القرآني والنبوي موجودان في المسألة، فلا تصل النوبة الى الاستحسان.

وقد ذكر السيد عبدالحسين شرف الدين هذه المحاولة وأجاب عليها، حيث كتب يقول:

«ربما احتج الجمهور على غسل الأرجل انّهم رأوه أشد مناسبة للقدمين من المسح، كما أن المسح أشد مناسبة للرأس من الغسل إذا كان القدمان لا ينقى دنسهما إلاّ بالغسل غالباً بخلاف الرأس فإنه ينقى غالباً بالمسح، وقد قالوا أن المصالح المعقولة لا يمتنع أن تكون أسباباً للعبادات المفروضة، حتى الشرع لاحظ فيها معنيين، معنىً مصلحياً ومعنىً عبادياً، وعنوا بالمصلحي ما يرجع الى الاُمور المحسوسة، وبالعبادي ما يرجع الى زكاة النفس.

فنقول: نحن نؤمن بأن الشارع المقدس لاحظ عباده في كل ما كلّفهم به من أحكامه الشرعية، فلم يأمرهم إلاّ بما فيه مصلحتهم، ولم ينههم إلاّ عما فيه مفسدة لهم، لكنّه مع ذلك لم يجعل شيئاً من مدارك تلك الأحكام منوطاً من حيث المصالح والمفاسد بآراء العباد، بل تعبّدهم بأدلّة قوية عيّنها لهم، فلم يجعل لهم مندوحة عنها الى ما سواها. وأوّل تلك الأدلة الحكيمة كتاب الله عزّ وجلّ وقد حكم بمسح الرؤوس والأرجل في الوضوء، فلا مندوحة عن البخوع لحكمه، أما نقاء الأرجل من الدنس فلابدّ من احرازه قبل المسح عليها، عملاً بأدلّة خاصّة دلّت على اشتراط الطهارة في أعضاء الوضوء قبل الشروع فيه، ولعلّ غسل رسول الله(صلى الله عليه وآله) رجليه ـ المدعى في أخبار الغسل ـ إنّما كان من هذا الباب، ولعلّه كان من باب التبرد، أو كان من باب المبالغة في النظافة بعد الفراغ من الوضوء والله تعالى أعلم»[المسائل الفقهية : 96].

ولو كان الأمر كما تشاء لنا أفكارنا لكان كما قال الإمام علي(عليه السلام): «كنت أرى أن باطن القدمين أحسن بالمسح من ظاهرهما، حتى رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يمسح ظاهرهما»[مسند أحمد: 1/95، سنن أبي داود، كتاب الطهارة، ح 164] وفي رواية اُخرى: «لولا أني رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يمسح ظاهر قدميه لظننت أن باطنهما أولى بالمسح من ظاهرهما»[وسائل الشيعة / ابواب الوضوء / باب 13 حديث 9].

ومن جملة المحاولات لإثبات أن حكم الأرجل هو الغسل لا المسح ما ذكره صاحب تفسير المنار من اعتماد الجمهور على اجماع الصحابة وعمل الصدر الأول[تفسير المنار : 6 / 228]، وهو أوهن من أن يذكر، فقد اتضح لك عما قليل أن في الصحابة من عارض الغسل وعمل بالمسح، وقد اعترف صاحب المنار بذلك، حيث ذكر أن «القول بكل من الغسل والمسح مروي عن السلف من الصحابة والتابعين ولكن العمل بالغسل أعم وأكثر وهو الذي غلب واستمر»[تفسير المنار : 6/228].

فأي اجماع على الغسل والقول بالمسح مروي عن السلف والتابعين؟ وأما قوله بأن العمل بالغسل أعم وأكثر فلا ينفع القائلين بالغسل، لأن التعميم والانتشار ـ على فرض التسليم به ـ قد يكون ناشئاً من عوامل سياسية، فإن الخليفة إذا اختار مذهباً عمّمه، وحث الرواة على الأخذ به.

ومن جملة المحاولات قولهم: إن المراد بمسح الرجلين غسلهما. قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن : «قال ابن عطية: وذهب قوم ممن يقرأ بالكسر الى أن المسح في الرجلين هو الغسل» وعلّق القرطبي على ذلك بقوله: «وهو الصحيح فإن لفظ المسح مشترك يطلق بمعنى المسح ويطلق بمعنى الغسل»[الجامع لأحكام القرآن: 6 / 92].

وهذه من أسوأ المحاولات . وقد اكتفى صاحب المنار بالردّ عليه بقوله: «وهو تكلف ظاهر»[المنار : 6 / 233]، فأين الغسل من المسح؟ ولو كان الأمر كما يقول من الناحية اللغوية للزم أن يكون المسح بمعنى الغسل عندما تكون هناك قرينة مساعدة، وهي مفقودة في الآية، بل الموجود في الآية قرينة معاكسة، وهي أن الآية الكريمة ذكرت الغسل ثم عقبت عليه بذكر المسح، وهذا يعني أنها في مقام التفصيل بين الأمرين، ولو كان المراد بالمسح في الآية هو الغسل لوجب غسل الرأس أيضاً، فلماذا يفرق صاحب هذه المحاولة بين الرأس والرجلين؟ وكيف يكون المسح في الرأس بمعنى المسح، والمسح للقدمين بمعنى الغسل؟ على أن كلامه لا يقتضي وجوب الغسل بل يقتضي التخيير بينه وبين المسح، فما الوجه في الحكم ببطلان المسح؟

ومما لا شك فيه أن هذه المحاولة تجعل مقتضى الاحتياط هو المسح لا الغسل، لأن الغسل تدور شبهات من حوله بخلاف المسح.

وهكذا يتضح بطلان القول بالغسل، وفشل كل المحاولات والأدلة الرامية لإثبات وجوبه بالنسبة الى القدمين في الوضوء.


القول بالجمع والتخيير

ويبقى هنا قولان في المسألة: قول بالجمع بين الوظيفتين، وقول بالتخيير بينهما، وجواب القول بالجمع: انّه يجري عند الاحيتاط، والاحتياط يأتي عند الشك في الوظيفة الشرعية، فإذا قام الدليل على الوظيفة الشرعية، وتم إثبات المسح، ينتفي الشك، وكلما انتفى الشك انتفى الحكم بالجمع كوظيفة احتياطية.

أما القول بالتخيير: فيجري بعد إثبات شرعية العملين معاً في الوضوء، فإذا ثبت لدى المكلف أن الغسل والمسح كلاهما عمل مشروع بالنسبة الى القدمين، وأن آية الوضوء تدل على صحتهما معاً، وأن النبي(صلى الله عليه وآله) قد عمل بهما معاً، تارة بالمسح واُخرى بالغسل، جاز لنا التخيير، ومع عدم إثبات ذلك لا يجوز لنا القول بالتخيير، إذ لا معنى لتخيير المكلف بين عملين أحدهما صحيح شرعاً والآخر لم تثبت صحته، وقد اتّضح أن كل المحاولات الرامية لإثبات شرعية الغسل كوظيفة في الوضوء بالنسبة الى القدمين قد باءت بالفشل.

فيبقى الحكم بالمسح هو المؤيد بالأدلة والسالم عن الاشكال.


منشأ اختلاف الروايات

ذكرنا في مقدمة هذا البحث أن مسألة حكم القدمين في الوضوء من المسائل التي تقتضي عدم ظهور الخلاف فيها، لكثرة ابتلاء المسلمين فيها زمن معاصرتهم للنبي(صلى الله عليه وآله)وكونها وظيفة يومية متكررة عمل بها النبي(صلى الله عليه وآله) طيلة عقدين من الزمن أمام مرأى ومسمع الصحابة. وهذه النقطة مما تحفز باتجاه البحث التاريخي الدقيق عن علل ظهور مثل هذه الاختلافات بين المسلمين.

وقد انكبّ أحد الباحثين على دراسة الظروف التاريخية التي احاطت بهذه المسألة دراسة تحليلية معمقة انتهى من خلالها واعتماداً على شواهد وأدلة وقرائن تاريخية كثيرة على أن القول بغسل القدمين في الوضوء قد ظهر في أيام الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وانّه هو المنشأ لذيوع وانتشار هذا الرأي بين المسلمين، فمن أراد التفصيل التاريخي في ذلك فعليه مراجعة هذا الكتاب الموسوم بـ «وضوء النبي من خلال ملابسات التشريع» للسيد علي الشهرستاني.


خلاصة البحث:

إنّ آية الوضوء تحتّم القول بوجوب مسح القدمين في الوضوء على كل التقادير وهو الضروري في مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وأن وضوء النبي(صلى الله عليه وآله)، والصحابة وسائر المسلمين كان على هذا النحو، وان القول بغسل القدمين لا يرجع الى أساس في الكتاب ولا السنّة، وانّه قول مبتكر مبتدع ظهر في أيام الخليفة الثالث.




أسألكم الدعاء

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2009, 05:38 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
حيدر الكربلائي
الدم الأحمر تفجر
الطويرجاوےِ

 
الصورة الرمزية حيدر الكربلائي
 
وسام الإدارة ADMIN3 وسام الوفاء 
مجموع الاوسمة: 3 (أكثر» ...)
إحصائية العضو









حيدر الكربلائي غير متواجد حالياً

 

 

 

افتراضي


(( صلاة «التراويح» سنّة أم بدعة ؟ ))











رأي الإمامية في صلاة التراويح


إن الشيعة الإمامية ـ تبعاً للرسول(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام)ـ يقيمون نوافل شهر رمضان بلا جماعة، ويرون أنّ إقامتها جماعة هي بدعة غير مشروعة، حدثت بعد رسول الله، بمقياس ما أنزل الله به من سلطان.


قال الشيخ الطوسي: نوافل شهر رمضان تصلّى انفراداً، والجماعة فيها بدعة.


واستدلّ على مذهب الإمامية بإجماعهم على أنّ ذلك بدعة. وما رواه زيد بن ثابت[سنن أبي داود 2: 69] من أن النبي(صلى الله عليه وآله)،قال: «صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلاّ المكتوبة»[الخلاف 1: 529، كتاب الصلاة، المسألة 268].


وفي جواهر الكلام تأليف الشيخ محمد حسن النجفي: بإمكان ادعاء تواتر الأخبار ببدعة الجماعة في نوافل شهر رمضان[جواهر الكلام : 13/144
].


ونقل السيد الحكيم في المستمسك حكاية المنتهى والذكرى وكنز العرفان الاجماع عليه[مستمسك العروة الوثقى : 7/170].



صلاة التراويح في نصوص أهل البيت(عليهم السلام)


أمّا أئمة أهل البيت فقد اتّفقت كلمتهم على أن الجماعة في النوافل مطلقاً بدعة، من غير فرق بين صلاة التراويح وغيرها، وهناك صنفان من الروايات الواردة عنهم:


الصنف الأول: ما يدلّ على عدم تشريع الجماعة في مطلق النوافل.


الصنف الثاني: ما يدل على عدم تشريعها في صلاة التراويح.


أما الصنف الأول فنذكر منه روايتين:


1 ـ قال الامام الباقر(عليه السلام): «ولا يُصلّى التطوع في جماعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»[الخصال 2: 152].


2 ـ قال الإمام عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام) في كتابه الى المأمون: «ولا يجوز أن يصلّى تطوّع في جماعة، لأن ذلك بدعة»[عيون أخبار الرضا : 266].


وأما الصنف الثاني، فقد تحدّث عنه الإمام الصادق(عليه السلام)وقال: لما قدم أمير المؤمنين(عليه السلام)الكوفة أمر الحسن بن علي أن ينادي في الناس لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة، فنادى في الناس الحسن بن علي بما أمره به أمير المؤمنين، فلمّا سمع الناس مقالة الحسن(عليه السلام)صاحوا واعمراه، واعمراه، فلما رجع الحسن الى أمير المؤمنين(عليه السلام)، قال له: ما هذا الصوت؟ قال: يا أمير المؤمنين الناس يصيحون واعمراه واعمراه، فقال أمير المؤمنين قل لهم: صلّوا[ التهذيب 2: ح 227].


وربما يتعجب القارئ من قول الامام «قل لهم: صلوا» حيث تركهم يستمرّون في الإتيان بهذا الأمر المبتدع، ولكن إذا رجع الى سائر كلماته يتجلّى له سرّ تركهم على ما كانوا عليه.


قال الشيخ الطوسي: إن أمير المؤمنين لما أنكر، أنكر الاجتماع، ولم يُنكر نفس الصلاة، فلمّا رأى أن الأمر يفسد عليه ويفتتن الناس، أجاز أمرهم بالصلاة على عادتهم[المصدر السابق].


ويدل عليه: ما رواه سليم بن قيس، قال : خطب أمير المؤمنين فحمد الله وأثنى عليه ثم صلّى على النبي، ثم قال: «ألا إن أخوف ما أخاف عليكم خلّتان: اتّباع الهوى، وطول الأمل» ثم ذكر أحداثاً ظهرت بعد رسول الله ـ وقال: ولو حملت الناس على تركها... لتفرق عنّي جندي حتى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي... والله لقد أمرتُ الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة، وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة، فتنادى بعض أهل عسكري ممّن يقاتل معي، يا أهل الاسلام غُيّرت سنّة عمر، ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوّعاً، ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري...[لكافي 8: 58].


لقد تسنّم الإمام منصة الخلافة بطوع ورغبة من جماهير المسلمين، وواجه أحداثاً ظهرت بعد رسول الله، وأراد إرجاع المجتمع الإسلامي الى عهد رسول الله في مجالات مختلفة، ولكن حالت العوائق دون نيّته، فترك بعض الاُمور بحالها، حتى يشتغل بالأهم فالأهم، فلأجله أمر ابنه الحسن أن يتركهم بحالهم حتى لا يختلّ نظام البلاد، ولا يثور الجيش ضدّه.


روى أبو القاسم ابن قولويه (ت / 369) عن الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام)، أنّهما قالا: كان أمير المؤمنين بالكوفة إذ أتاه الناس فقالوا له اجعل لنا إماماً يؤمّنا في رمضان، فقال لهم: لا، ونهاهم أن يجتمعوا فيه، فلمّا أحسّوا، جعلوا يقولون أبكوا رمضان، وارمضاناه! فأتى الحارث الأعور في اُناس، فقال: يا أمير المؤمنين ضجّ الناس وكرهوا قولك، قال: فقال عند ذلك: «دعوهم وما يريدون، يُصلّ بهم من شاءوا[السرائر 3: 638]».


هذه الروايات تفصح لنا عن موقف أهل البيت(عليهم السلام)من صلاة التراويح.



سنّة الرسول(صلى الله عليه وآله) برواية أهل البيت(عليهم السلام)



تختلف روايات أئمة أهل البيت(عليهم السلام) عن بعض ما رواه أصحاب السنن، فرواياتهم(عليهم السلام)صريحة في أن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)كان ينهى عن إقامة نوافل رمضان جماعة، وأنّه(صلى الله عليه وآله) لما خرج بعض الليالي الى المسجد ليقيمها منفرداً، ائتمّ به الناس فنهاهم عنه، ولمّا أحسّ اصرارهم على الائتمام ترك الصلاة في المسجد واكتفى بإقامتها في البيت، وإليك بعض ما روي في ذلك:


سأل زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل الباقر والصادق(عليهما السلام)عن الصلاة في شهر رمضان نافلة بالليل جماعة، فقالا: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله)كان إذا صلّى العشاء الآخرة انصرف الى منزله، ثم يخرج من آخر الليل الى المسجد فيقوم فيصلّي، فخرج في أول ليلة من شهر رمضان ليصلّي، كما كان يصلّي، فاصطفّ الناس خلفه، فهرب منهم الى بيته وتركهم، ففعلوا ذلك ثلاث ليال، فقام في اليوم الرابع على منبره فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة، وصلاة الضحى بدعة، ألا فلا تجتمعوا ليلاً في شهر رمضان لصلاة الليل، ولا تصلّوا صلاة الضحى، فإن تلك معصية، ألا وإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة سبيلها الى النار. ثم نزل وهو يقول:


«قليل في سنّة خير من كثير في بدعة»[من لا يحضره الفقيه، كتاب الصوم: 87].


روى عبيد بن زرارة عن الإمام الصادق(عليه السلام)، قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يزيد في صلاته في رمضان، إذا صلّى العتمة صلّى بعدها، فيقوم الناس خلفه فيدخل ويدعهم، ثم يخرج أيضاً فيجيئون ويقومون خلفه فيدعهم ويدخل مراراً[الكافي 4: 154.].


ولعلّه(صلى الله عليه وآله) قام بهذا العمل مرّتين، تارة في آخر الليل ـ كما في الرواية الاُولى ـ واُخرى بعد صلاة العتمة، كما في الرواية الثانية.



موقف الصحيحين من صلاة التراويح


لكن المروي عن طريق أهل السنة يخالف ذلك، وإليك نص الشيخين البخاري ومسلم:


روى الأوّل وقال: حدثني يحيى بن بكير حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب: أخبرني عروة أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أخبرته أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) خرج ليلة من جوف الليل فصلّى في المسجد، وصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدّثوا، فاجتمع أكثر منهم، فصلّى فصلّوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله)فصلّى بصلاته، فلمّـا كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلمّا قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد، ثم قال: «أما بعد فانّه لم يخفَ عليّ مكانكم، ولكني خشيت أن تفترض عليكم فتعجزوا عنها. فتوفي رسول الله(صلى الله عليه وآله) والأمر على ذلك»[أي على ترك الجماعة في صلاة التراويح. لاحظ البخاري، الصحيح، باب فضل من قام رمضان: 61 رقم 2012].


وروى أيضاً في باب التهجد: «إن رسول الله صلى ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلّى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله، فلمّا أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلاّ أني خشيت أن تُفرَض عليكم وذلك في رمضان»[الصحيح 2: 63 باب التهجد بالليل، وبين الروايتين اختلاف فيما خرج(صلى الله عليه وآله)فيها من الليالي، فعلى الاُولى خرج ثلاث ليال، وعلى الثانية خرج ليلتين].


روى مسلم قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) صلّى في المسجد ذات ليلة فصلّى بصلاته ناس، ثمّ صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة[الصحيح 6: 41 وغيره، والظاهر وحدة الرواية الثانية للبخاري مع هذه الرواية لاتّحاد الراوي والمروي عنه والمضمون] فلم يخرج إليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم، إلا أني خشيت أن تفرض عليكم، قال: وذلك في رمضان.


وحدّثني حرملة بن يحيى: أخبرنا عبدالله بن وهب: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) خرج من جوف الليل فصلّى في المسجد، فصلّى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدثون بذلك فاجتمع أكثر منهم، فخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الليلة الثانية فصلّوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلّوا بصلاته، فلمّا كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) حتى خرج لصلاة الفجر فلمّا قضى الفجر أقبل على الناس ثم تشهّد، فقال: «أما بعد فإنّه لم يخفَ عليَّ شأنكم الليلة، ولكنّي خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها»[صحيح مسلم 6: 41].


والاختلاف بين ما رواه أصحابنا عن أمير المؤمنين علي(عليه السلام)، وما رواه الشيخان واضح، فعلى الأول، نهى النبي(صلى الله عليه وآله)عن إقامتها جماعة، وأسماها بدعة، وعلى الثاني، ترك النبي(صلى الله عليه وآله)الإقامة جماعة خشية أن تُفرض عليهم، مع كونها موافقة للدين والشريعة، إذاً فأي القولين أحقّ أن يتّبع؟


مناقشة الصحيحين


إن في حديث الشيخين مشاكل عديدة جديرة بالوقوف عليها:


المشكلة الاُولى: ما معنى قوله: «خشيت أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها»؟


فهل مفاده: أن ملاك التشريع هو إقبال الناس وإدبارهم، فإن كان هناك اهتمام ظاهر من قبل الناس، يفرض عليهم وإلاّ فلا يفرض ؟ مع أن الملاك في الفرض هو وجود مصالح واقعية في الحكم، سواء أكان هناك اهتمام ظاهر أم لا، فإن تشريعه سبحانه ليس تابعاً لرغبة الناس أو إعراضهم، وإنّـما يتّبع مجموعة من المصالح والمفاسد والتي هو أعلم بها سواء أكان هناك من الناس إقبال أم إدبار.


المشكلة الثانية: لو افترضنا أن الصحابة أظهروا اهتمامهم بصلاة التراويح باقامتها جماعة، أفيكون ذلك ملاكاً للفرض؟ فإن مسجد النبي(صلى الله عليه وآله) يومذاك كان مكاناً محدوداً لا يسع إلا ستة آلاف نفر أو أقل، فقد جاء في الفقه على المذاهب الخمسة: «كان مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله) 35 متراً في 30 متراً ثم زاده الرسول(صلى الله عليه وآله) وجعله 57 متراً في 50 متراً»[الفقه على المذاهب الخمسة : 285].


أفيمكن جعل اهتمامهم كاشفاً عن اهتمام جميع الناس في جميع العصور الى يوم القيامة؟


المشكلة الثالثة: هي وجود الاختلاف في عدد الليالي التي أقام النبي فيها نوافل رمضان جماعة. فعلى ما نقله البخاري في كتاب الصوم أن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) صلّى التراويح مع الناس أربعة ليال، وعلى ما نقله في باب التحريض على قيام الليل، أنّه صلاها ليلتين، ووافقه مسلم على النقل الثاني، ويظهر مما ذكره غيرهما ـ كما مرّ في صدر المقال ـ أنّه(صلى الله عليه وآله) أقامها في ليال متفرقة (ليلة الثالث، والخامس، والسابع والعشرين). وهذا يعرب عن عدم الاهتمام بنقل فعل الرسول على ما هو عليه، فمن أين نطمئن على سائر ما جاء فيه من أنّ النبي استحسن عملهم؟


المشكلة الرابعة: أن الثابت من فعل النبي، أنّه صلاها ليلتين، أو أربع في آخر الليل، وهي لا تزيد عن ثماني ركعات. والتأسّي بالنبي يقتضي الاقتداء به فيما ثبت. لا فيما لم يثبت، بل ثبت عدمه بما صرّح به القسطلاني ووصف مازاد عليه بالبدعة وذلك:


1 ـ إنّ النبي لم يسنّ لهم الاجتماع لها.


2 ـ ولا كانت في زمن الصديق.


3 ـ ولا أول الليل.


4 ـ ولا كلّ ليلة.


5 ـ ولا هذا العدد[ارشاد الساري : 4/656، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان].


ثم التجأ في إثبات مشروعيّتها الى اجتهاد الخليفة.


وقال العيني: إن رسول الله لم يسنّها لهم، ولا كانت في زمن أبي بكر. ثم اعتمد ـ العيني ـ في شرعيّته الى اجتهاد عمر واستنباطه من إقرار الشارع الناس يصلّون خلفه ليلتين[عمدة القارئ: 6/ 126،كتاب التراويح، ذيل الحديث 116].


المشكلة الخامسة: أنه إذا أخذنا برواية أحد الثقلين، (أعني أهل البيت(عليهم السلام)) تُصبح إقامة النوافل جماعة بدعة على الاطلاق، وإن أخذنا برواية الشيخين، فالمقدار الثابت ما جاء في كلام القسطلاني، والزائد عنه يصحّ بدعة إضافية، والمقصود منها ما يكون العمل بذاته مشروعاً، والكيفية التي يقام بها، غير مشروعة.


ولم يبق ما يحتج به على المشروعية إلا جمع الخليفة الناس على إمام واحد وهو ما سنشرحه في البحث الآتي:



جمع الناس على إمام واحد في عصر عمر


روى البخاري : توفي رسول الله(صلى الله عليه وآله) والناس على ذلك (يعني عدم إقامة التراويح بالجماعة) ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر[الصحيح، باب فضل من قام رمضان: الحديث 2010].


وروى أيضاً عن عبدالرحمن بن عبدالقاري أنّه، قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان الى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرّقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط[الرهط: بين الثلاثة الى العشرة].


فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. ثم عزم فجمعهم على اُبيّ بن كعب، ثم خرجت معه ليلة اُخرى والناس يُصلّون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون . يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوّله.


ولكن الظاهر من شرّاح الصحيح أن الإتيان جماعة لم يكن مشروعاً، وإليك بيانه في ضمن أمرين:


1 ـ قوله : «فتوفي رسول الله(صلى الله عليه وآله) والناس على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر» فقد فسّره الشراح بقولهم: أي على ترك الجماعة في التراويح، ولم يكن رسول الله(صلى الله عليه وآله)جمع الناس على القيام[فتح الباري، لابن حجر العسقلاني 4: 203].


وقال بدر الدين العيني: والناس على ذلك (أي على ترك الجماعة) ثم قال: فإن قلت روى ابن وهب عن أبي هريرة خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) واذا الناس في رمضان يصلّون في ناحية المسجد، فقال: «ما هذا؟» فقيل: ناس يصلّي بهم اُبي بن كعب، فقال: «أصابوا، ونعم ما صنعوا»، ذكره ابن عبدالبر.


ثم أجاب بقوله: قلت: فيه مسلم بن خالد وهو ضعيف، والمحفوظ أن عمر(رضي الله عنه) هو الذي جمع الناس على اُبي بن كعب[عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري 6: 125، وجاء نفس السؤال والجواب في فتح الباري].


وقال القسطلاني : «والأمر على ذلك (أي على ترك الجماعة في التراويح) ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، الى آخر ما ذكره»[ارشاد الساري : 4/ 656، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان].


2 ـ قوله: نعم البدعة; أن الظاهر من قوله: «نعم البدعة هذه» أنّها من سُنن نفس الخليفة، ولا صلة لها بالشرع، وقد صرّح بذلك لفيف من العلماء.


قال القسطلاني: سماها (عمر) بدعة لأنه(صلى الله عليه وآله) لم يُسَنّ لهم الاجتماع لها، ولا كانت في زمن الصديق، ولا أوّل الليل، ولا كلّ ليلة ولا هذا العدد ـ الى أن قال: ـ وقيام رمضان ليس بدعة، لأنه(صلى الله عليه وآله)قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، وإذا أجمع الصحابة مع عمر على ذلك زال عنه اسم البدعة».


وقال العيني: «وإنما دعاها بدعة، لأن رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم يسنّها لهم، ولا كانت في زمن أبي بكر ولا رغب رسول الله(صلى الله عليه وآله)فيها»[عمدة القارئ 6: 126 وقد سقط لفظة لا من قوله و «رغب» كما ان كلمة بقوله ـ بعده هذه الجملة ـ في النسخة مصحف «قوله»، فلاحظ].


والاتفاق حاصل بين علماء الجمهور على أن عمر أول من سنّ الجماعة، فبالاضافة الى ما تقدم في هذا المعنى، نذكر من أقوالهم:


1 ـ قال ابن سعد في ترجمة عمر: «هو أول من سنّ قيام شهر رمضان بالتراويح، وجمع الناس على ذلك، وكتب به الى البلدان وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة»[الطبقات الكبرى 3: 281].


2 ـ وقال ابن عبدالبر في ترجمة عمر: «وهو الذي نور شهر الصوم بصلاة الاشفاع فيه»[الاستيعاب 3: 1145].


قال الوليد بن الشحنة عند ذكر وفاة عمر في حوادث سنة (23هـ ) : «وهو أول من نهى عن بيع اُمهات الأولاد... وأول من جمع الناس على إمام يصلّي بهم التروايح»[روضة المناظر كما في النص والاجتهاد: 150].


فإذا كان المفروض أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم يسنّ الجماعة فيها، وإنما سنّها عمر، فهل هذا سند مشروعيتها أم بدعيتها؟ مع أنّه ليس لإنسان حتى الرسول حق ذاتي في التسنين والتشريع، وإنما هو(صلى الله عليه وآله)مبلّغ عن الله سبحانه في التشريع ومجاز عنه في التسنين، فهل يجوز لغير الرسول ما لا يجوز له(صلى الله عليه وآله) ؟!


إن الوحي يحمل التشريع الى النبي الأكرم وهو(صلى الله عليه وآله)الموحى إليه، وبموته انقطع الوحي، وسدّ باب التشريع والتسنين، فليس للاُمة إلا الاجتهاد في ضوء الكتاب والسنّة، لا التشريع ولا التسنين، ومن رأى أن لغير الله سبحانه حق التسنين فمعنى ذلك عدم انقطاع الوحي.


قال ابن الأثير في نهايته: ومن هذا النوع قول عمر : «نعمت البدعة هذه (التراويح) لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح سماها بدعة ومدحها، إلاّ أن النبي(صلى الله عليه وآله) لم يسنّها لهم، وإنما صلاها ليالي ثم تركها، ولم يحافظ عليها، ولا جمع الناس لها، ولا كانت في زمن أبي بكر، وإنما عمر جمع الناس عليها، وندبهم إليها، فبهذا سمّاها بدعة، وهي في الحقيقة سنّة، لقوله(صلى الله عليه وآله): «عليكم بسنّتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي»، وقوله: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر»[النهاية 1: 106، 107، باب الباء مع الدال ].



التشريع مختصّ بالله سبحانه


إنّ هؤلاء الأكابر مع اعترافهم بأن النبي لم يسنّ الاجتماع، أسندوا إقامتها جماعة الى عمل الخليفة، ومعنى ذلك أن له حق التسنين والتشريع، وهذا يضاد اجماع الاُمة، إذ لا حقَّ لأي إنسان أن يتدخل في أمر الشريعة بعد إكمالها، لقوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)[سورة المائدة : 3] وكلامه يخالف الكتاب والسنّة، فإن التشريع حق لله سبحانه لم يفوضه لأحد، والنبي الأكرم مبلغ عنه.


أضف الى ذلك لو أن الخليفة قد تلقى ضوءاً أخضر في مجال التشريع والتسنين، فلم لا يكون لسائر الصحابة ذلك، مع كون بعضهم أقرأ منه، كأُبي بن كعب، وأفرض، كزيد بن ثابت، وأعلم وأقضى منه، كعلي بن أبي طالب(عليه السلام) ؟ فلو كان للجميع ذلك لانتشر الفساد وعمّت الفوضى أمر الدين، وكان اُلعوبة بأيدي غير المعصومين.


وأمّا التمسك بالحديثين، فلو صح سندهما فإنّهما لا يهدفان الى أن لهما حق التشريع، بل يفيدان لزوم الاقتداء بهما، لأنهما يعتمدان على سنّة النبي الأكرم، لا أنّ لهما حق التسنين.


نعم، يظهر ممّا رواه السيوطي عن عمر بن عبدالعزيز أنّه كان يعتقد أن للخلفاء حق التسنين، قال: قال حاجب بن خليفة شهدت عمر بن عبدالعزيز يخطب وهو خليفة، فقال في خطبته: ألا إن ما سنّ رسول الله وصاحباه فهو دين نأخذ به، وننتهي إليه، وما سنّ سواهما فإنا نرجئه[تاريخ الخلفاء : 241]. وهو كما ترى.


وعلى كل تقدير، فإنّ الله سبحانه لم يفوّض أمر دينه في التشريع والتقنين الى طريق غير الوحي، وفي ذلك يقول الشوكاني: «والحق أن قول الصحابي ليس بحجّة، فإن الله سبحانه وتعالى لم يبعث الى هذه إلا نبيّنا محمداً(صلى الله عليه وآله) وليس لنا إلا رسول واحد، والصحابة ومن بعدهم مكلفون على السواء باتباع شرعه والكتاب والسُنّة، فمَن قال إنّه تقوم الحجة في دين الله بغيرهما، فقد قال في دين الله بما لا يثبت، وأثبت شرعاً لم يأمر به الله[ارشاد العقول : 361 ط دار الكتب العلمية].


نعم، نقل القسطلاني عن ابن التين وغيره: أن عمر استنبط ذلك من تقرير النبي(صلى الله عليه وآله) من صلّى معه في تلك الليالي وإن كان كره لهم خشية أن يفرض عليهم، فلمّا غاب النبي(صلى الله عليه وآله)حصل الأمن من ذلك، ورجح عند عمر ذلك لما في الاختلاف من افتراق الكلمة، ولأن


الاجتماع على واحد أنشط لكثير من المصلين[فتح الباري 4: 204].


ويلاحظ عليه أولاً: إنّ ما ذكره في آخر كلامه ليسوّغ جمع الناس على إمام واحد، مكان الأئمة المتعدّدة، بينما النقاش في أصل إقامتها جماعة، واحداً كان الإمام أو كثيراً.


وثانياً: إن معنى كلامه أن هناك أحكاماً لم تسنّ ما دام النبي حيّاً لمانع خاص، كخشية الفرض، ولكن في وسع آحاد الاُمة تشريعها بعد موته(صلى الله عليه وآله) ومفاده فتح باب التشريع بملاكات خاصة في وجه الاُمة الى يوم القيامة، وهذه رزيّة ليست بعدها رزية، وتلاعب بالدين وفتح الطريق لاستئصاله.



تخرصات للفرار من وصمة البدعة


ومن هذا كله يتضح أن صفة البدعة مستحكمة في صلاة التراويح، ومنطبقة عليها، خاصة مع قول عمر بن الخطاب: «إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل... نعمت البدعة هذه»[صحيح البخاري : 2/252، الموطأ : 73، كنز العمال: 8/408 ح 23466 ].


ولو لم تكن هذه بدعة بالرغم من قوله: إني أرى، وقوله بكل بصراحة: نعمت البدعة، فما هي البدعة إذاً ؟!


وإذا لم يكن الذي أحدث التراويح لأول مرة طبقاً لقول ابن عبدالبر في الاستيعاب، والسيوطي في تاريخ الخلفاء، ومحمد بن الشحنة في روضة المناظر ـ كما مر آنفاً ـ مبتدعاً، فمن هو المبتدع إذاً ؟


ومن هنا ظهرت محاولات لتخريج التراويح من دائرة البدعة وإدخالها في دائرة السنّة، واعطاء تفاسير لكلمة عمر «نعمت البدعة هذه» بحيث تخالف ظاهرها،، وها نحن نذكر هذه المحاولات وهي:


1 ـ محاولة ابن أبي الحديد المعتزلي، حيث ذكر أن لفظ البدعة يطلق على مفهومين، أحدهما: ما خالف الكتاب والسنّة; مثل صوم يوم النحر وأيام التشريق، فإنّه وإن كان صوماً إلاّ أنّه منهي عنه.


والثاني : ما لم يرد فيه نص، بل سكت عنه ففعله المسلمون بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) .


فإن اُريد بكون صلاة التراويح بدعة بالمفهوم الأول فلا نسلّم أنها بدعة بهذا التفسير. وقول عمر: إنّها لبدعة خبر مروي مشهور، ولكن أراد به البدعة بالتفسير الثاني[شرح النهج : 12 / 284.]....


وليته أورد كلامه هذا إيراداً، ولم يظهره اعتقاداً، فإنّ المعنى الأول ليس من البدعة، فإن مخالفة الكتاب والسُنّة لا تسمى بدعة وإنما تسمى اجتهاداً في مقابل النص، فيبقى معنى البدعة منحصراً بالمعنى الثاني الذي أورده، والذي قال: إن كلمة عمر تنطبق عليه، لأن البدعة ما أحدث على غير مثال سابق، والتراويح منها.


وليست البدعة ما أحدث على نحو مخالف لمثال سابق حتى يقال بأن البدعة هي مخالفة الكتاب والسنّة.


ثم قال في الصفحة التالية: «أليس يجوز للإنسان أن يخترع من النوافل صلوات مخصوصة بكيفيات مخصوصة واعداد ركعات مخصوصة ولا يكون ذلك مكروهاً ولا حراماً؟ فإنّه داخل تحت عموم ما ورد في فضل صلاة النافلة، ... والتراويح جائزة ومسنونة لأنها داخلة تحت عموم ما ورد في فضل صلاة الجماعة».


ولا أدري على أي مذهب فقهي يتم كلامه هذا ؟! فالمعروف لدى المسلمين أن العبادات الواجبة أو المستحبة توقيفية، وأن مفهوم العبادة متوقف على وجود أمر شرعي، فإذا ثبت الأمر الشرعي على نحو الوجوب أو الاستحباب كان المأمور به عبادة، وإلاّ فلا، والأمر الشرعي يتدخل في أصل العبادة، وفي شكلها وهيئتها.


بمعنى أنّها توقيفية في الأصل والشكل والهيئة، فكما لا يحق للإنسان تشريع أصل عبادة معينة كذلك لا يحق له تشريع هيئتها وشكلها، ولعل ابن أبي الحديد يرى أن الأمر بالنافلة وما ورد في فضل الجماعة يكفيان لإثبات شرعية صلاة ذات أشكال مخترعة من قبل العبد، وليس الأمر كذلك، فإنّ أخبار فضل النافلة وأخبار فضل الجماعة، تشير الى عبادات بهيئات مخصوصة صدرت عن صاحب الشرع(صلى الله عليه وآله)، وتطلب من المؤمنين إتيانها بالهيئة التي سنّها الرسول(صلى الله عليه وآله).


يقول الدكتور (يوسف القرضاوي) بشأن التوقيف في العبادات:


«قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء اُصول الشريعة نعلم أنّ العبادات التي أوجبها الله، أو أحبّها، لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع، وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى، وذلك لأنّ الأمر والنهي هما شرع الله، والعبادة لابدّ أن تكون مأموراً بها، فما لم يثبت أنّه مأمور به كيف يحكم عليه بأنّه محظور؟


ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله، وإلاّ دخلنا في معنى قوله تعالى: (أم لهم شُركاء شَرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله[ الشورى : 21])[الحلال والحرام في الاسلام: 36].


وقال (أبو يوسف ومحمّد): «لا يزيد بالليل على ركعتين بتسليمة واحدة»[ اللباب في شرح الكتاب لعبد الغني الحنفي: 1/91 ـ 92 وانظر: (الفقه الاسلامي وأدلته) للدكتور وهبة الزحيلي: 2/50].


وقال في (المهذّب): «والسنّة أن يسلّم من كل ركعتين، لما روي عن ابن عمر(رضي الله عنه)أن النبي(صلى الله عليه وآله) قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا رأيت أن الصبح تداركك فأوتر بواحدة»، وإن جمع ركعات بتسليمة جاز، لما روت عائشة أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) «كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، ويوتر من ذلك بخمس، يجلس في الآخرة ويسلّم، وأنه أوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهنّ بسلام»، وإن تطوّع بركعة جاز لما روي أن عمر(رضي الله عنه)«مرّ بالمسجد فصلى ركعة فتبعه رجل، فقال يا أمير المؤمنين إنما صليت ركعة، فقال: إنما هي تطوع فمن شاء زاد ومن شاء نقص».


وعقّب على ذلك (النووي) بالقول:


«.. في مذاهب العلماء في ذلك قد ذكرنا أنّه يجوز عندنا أن يجمع ركعات كثيرة من النوافل المطلقة بتسليمة، وأن الأفضل في صلاة الليل والنهار أن يسلّم من كل ركعتين، وبهذا قال مالك وأحمد وداود وابن المنذر، وحكي عن الحسن البصري وسعيد بن جبير، وقال أبو حنيفة: التسليم من ركعتين أو أربع في صلاة النهار، سواء في الفضيلة، ولا يزيد على ذلك، وصلاة الليل ركعتان وأربع وست وثمان بتسليمة، ولا يزيد على ثمان،وكان ابن عمر يصلي بالنهار أربعاً، واختاره اسحق»[المجمع من شرح المهذّب: 4/49 ـ 51].


فكيف يمكن أن يُدّعى بعد كل هذه الأقوال والآراء أن أحداً لم يقل بكراهة أو حرمة صلاة ثلاثين ركعة بتسليمة واحدة، كما قال ذلك المعتزلي بشكل قاطع، وأرسله إرسال المسلمات؟


وقال الشيخ يوسف البحراني في الحدائق الناضرة:


«لا ريب في أنّ الصلاة خير موضوع، إلاّ أنه متى اعتقد المكلف في ذلك أمراً زائداً على ما دلّت عليه هذه الأدلة، من عدد مخصوص، وزمان مخصوص، أو كيفية خاصة، ونحو ذلك، مما لم يقم عليه دليل في الشريعة، فإنّه يكون محرّماً وتكون عبادته بدعة، والبدعية ليست من حيث الصلاة، وإنما هي من حيث هذا التوظيف الذي اعتقده في هذا الوقت، والعدد والكيفية من غير أن يرد عليه دليل»[الحدائق الناضرة: 6/80].


2 ـ محاولة القاضي عبدالجبار المعتزلي في كتابه المغني، حيث كتب يقول عن التراويح: «إذا كان فيه الدعاء الى الصلاة، والتشدّد في حفظ القرآن، فما الذي يمنع أن يعمل به على وجه أنّه مسنون»[نقله عنه الشريف المرتضى في الشافي في الإمامة: 4/217].


وكلامه هذا يرجع في النتيجة الى كلام ابن أبي الحديد المعتزلي، وحينئذ فالجواب هو الجواب، فإن الصلاة عبادة والعبادة تحتاج الى قصد القربة، وقصد القربة لا يتم إلاّ بعد إثبات وجود أمر مولوي من الشارع، وصلاة التراويح على الهيئة والكيفية التي تقام بها لم يرد بها أمر شرعي، وحينئذ فإتيانها بعنوان أنّها عبادة تشريع محرّم وبدعة منكرة في الدين.


3 ـ محاولة ابن تيمية التي اعتبر فيها اطلاق عمر بن الخطاب عنوان البدعة على التراويح، تسمية لغوية لا تسمية شرعية، وأن المسلمين قد صلّوا التراويح في زمن الرسول وأن النبي(صلى الله عليه وآله) قد خرج معهم في ليلة أو ليلتين، ثم امتنع عن ذلك لعلة ذكرها، وهي: «أنّه لم يمنعني أن أخرج إليكم إلاّ كراهة أن يفرض عليكم، فصلّوا في بيوتكم...»، فعلم بذلك ـ والكلام لابن تيمية ـ أنّ المقتضي للخروج قائم، وأنّه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم «فلما كان في عهد عمر جمعهم على قارئ واحد وأسرج المسجد فصارت هذه الهيئة ـ وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج ـ عملاً لم يكونوا يعملونه من قبل، فسمي بدعة لأنه في اللغة يسمى بذلك، وإن لم يكن بدعة شرعية»[اقتضاء الصراط المستقيم : 276 ـ 277].


ولا يهمنا أن تكون تسمية عمر شرعية أم لغوية، إنما الذي يهمّنا هو اعترافه بأنه قد أضاف الى الشريعة أمراً لم يعرفه المسلمون من قبل، والأمر الذي أضافه حسب عبارة ابن تيمية نفسه هو اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج، والإسراج لا يهمنا لأنه ليس دخيلاً في العبادة، وإنما الذي يهمنا هو اجتماعهم في الصلاة خلف الإمام، ولعل ابن تيمية ذكر الإسراج لإيهام القارئ بأن ما قام به الخليفة عمل لا يدخل في صميم العبادة، وأن الاجتماع في المسجد على إمام واحد شأنه شأن الإسراج، فكما لايعد الإسراج بدعة لأنه لا يدخل في صميم العبادة، كذلك لايعد الاجتماع للصلاة وأداءها جماعة بدعة. فتكون نتيجة كلامه: أن عمر لم يبتدع في الشريعة، وإنما ابتدع في اُمور من خارجها كالإسراج، وهذا تمويه وخداع.


فقد اتضح من جواب المحاولة السابقة، أن أداء الصلاة جماعة أمر من صميم العبادة، ولا يمكن للعبد أن يتدخل فيه، ولابد له من أن يتبع أمر الشارع فيه، بخلاف الإسراج الذي هو خارج عن مفهوم العبادة، ولا يسمى إحداثه بدعة.


أما ادعاءه أن النبي(صلى الله عليه وآله)، قد خرج الى التراويح ليلة أو ليلتين، ثم انقطع عنها، فقد اتضح مما سبق عدم صحته، وهو يناقض قول عمر: «نعمت البدعة هذه» فإن كلامه هذا يدل على عدم وجود التراويح من قبل، والإتيان بعمل بعد فترة من الانقطاع عنه لا يسمى بدعة.


4 ـ محاولة تقسيم البدع، بحسب الأحكام الخمسة.


وهي من أسوأ المحاولات وأبعدها عن الواقع وروح الشريعة الإسلامية، وهي تعكس شدة الهاجس الذي يعيشه أصحاب هذه المحاولة تجاه قضية صلاة التراويح واعتراف عمر بن الخطاب الصريح بأنها بدعة.


فقد قالوا : إن البدعة تنقسم الى: بدعة محرمة، ومكروهة، ومباحة، والواجبة، والمستحبة[فتح الباري بشرح صحيح البخاري: 13/253، 96 كتاب الاعتصام باب الكتاب والسنّة، باب الاقتداء بسنن النبي(صلى الله عليه وآله)، ذيل الحديث 7277، جامع الاُصول في أحاديث الرسول(صلى الله عليه وآله) ابن الأثير: 1/280، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة، الباب الأوّل في الاستمساك بهما، ذيل الحديث 67].


والجواب الواضح المختصر على هذه المحاولة : إن للبدعة معنى واحداً واضحاً هو: ادخال ما ليس من الدين في الدين، وقد اتفق المسلمون عليه سنّة وشيعة، وهذا المعنى لا يقبل التقسيم بحسب الأحكام الخمسة. ولا بحسب الحسن والقُبح، نعم لو كان للبدعة معان متعددة لأمكننا تصور التقسيم فيها، بل لها معنى واحد هو المعنى المذموم المذكور في الكتاب والسُنّة، والذي حذّر النبي(صلى الله عليه وآله)منه وتوعد عليه بأشد العذاب، وليت القائلين بالتقسيم الخماسي أو الثنائي يستشهدون على كلامهم بآية أو حديث نبوي يشهد لصحة قولهم.


ولا يستطيعون ذلك، لا لأن الكتاب والسُنّة خاليان من الشاهد على هذا التقسيم فقط، وإنّما لأن التقسيم المذكور مستحيل عقلاً، فكما لا يمكن تقسيم الظلم الى حسن وقبيح، كذلك لا يمكن تقسيم البدعة الى بدعة حسنة واُخرى قبيحة، إذ أن البدعة عبارة عن الافتراء على الشريعة، ونسبة ما ليس منها بأنه منها، وهذا المعنى ملازم للقبح والذم، ولا يقبل الانفكاك عنهما بحال من الأحوال. بينما يفترض التقسيم المذكور إمكانية الانفكاك بين البدعة وبين القبح، وإمكانية وجود بدعة حسنة، وهذا ناشئ من أن نظرية التقسيم تعمل بالمعنى اللغوي للبدعة، وهو ما اخترع على غير مثال سابق، فإن هذا المخترَع يمكن أن يكون حسناً، ويمكن أن يكون قبيحاً، وهذا لا نقاش فيه، ونحن لسنا بصدد المعنى اللغوي، وإنّما الكلام كل الكلام في المعنى الشرعي، فإنهم يقعون في مغالطة كبيرة حينما يتحدثون عن البدعة بالمعنى الشرعي، ثم يدّعون قابليتها للتقسيم ويقسمونها فعلاً، ولكن طبقاً للمعنى اللغوي.



خلاصة الكلام


إن صلاة التراويح لا أساس لها في الكتاب والسُنّة، وأئمة أهل البيت(عليهم السلام)قد أكّدوا أنها من البدع التي لم يشرّعها الشارع الحكيم كما أنّها لم تكن في عصر النبي(صلى الله عليه وآله) وأبي بكر وفترة من عصر عمر بن الخطاب. بل إنها بدعة ظهرت بأمر من الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وإن كل المحاولات الرامية لتبرئتها من صفة البدعة محاولات فاشلة.


أسألكم الدعاء

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2009, 05:40 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
حيدر الكربلائي
الدم الأحمر تفجر
الطويرجاوےِ

 
الصورة الرمزية حيدر الكربلائي
 
وسام الإدارة ADMIN3 وسام الوفاء 
مجموع الاوسمة: 3 (أكثر» ...)
إحصائية العضو









حيدر الكربلائي غير متواجد حالياً

 

 

 

افتراضي


... ننتقل اليوم من الشبهات الموجهة للصلاة إلى أمور اتُهم أتباع أهل البيت "ع" أنهم أبدعوه ...

الاحتفال بذكرى مولد النّبيّ(صلى الله عليه وآله)

مقدمة

الاحتفال بمولد النبيّ من الاحتفالات التي اعتادها المسلمون منذ قرون عديدة، ولازالت هذه الذكرى ماثلة وحيّة في قلوب المسلمين جميعاً، حيث تقام الاحتفالات بهذا اليوم في المساجد والبيوت في مختلف بلدان العالم الإسلامي تخليداً لهذا اليوم المبارك، مثلهم في ذلك مثل أيّ اُمة تحترم مقدساتها، وتبجل أيّامها الكبرى وذكرياتها المجيدة.

كما يُراد من هذا الاحتفال أن يتحول من مجرد الفرح والسرور والشكر لله، إلى عملية استيحاء واعية للذكرى ومعطياتها.

ورغم وضوح شرعية الاحتفال بذكرى المولد النبويّ، إلاّ أن البعض راح يبحث عن اُمور تسوّغ له منع الاحتفال بهذا اليوم، إستناداً إلى فهم مغلوط لمعنى البدعة، ووظّف هذا الفهم لتحريم كثير من المباحات، بذريعة أنّها لم يرد فيها نصّ بخصوصها.

من هنا سوف نتناول مسألة الاحتفال بيوم المولد النبوي ونرى مدى شرعيته، ثم نناقش الرأي القائل بحرمته ضمن عدة اُمور:


الأمر الأوّل: الحدث المقدس يضفي قدسيّته على الزّمان

هل الأيّام والساعات التي تحققت فيها مناسبات وأحداث إلهية مقدسة; يضفي الحدث فيها قيمة على نفس اليوم، فيكتسب الزمان قدسيته من الحدث، كما هو الخير والبركة الذي اكتسبته ليالي القدر وأيام شهر رمضان ولياليه، أو عيد الفطر، أو عيد الأضحى، أو يوم المبعث النبوي من أحداثها؟

والجواب: أننا لو لاحظنا الروايات التي تناولت هذا المعنى لتأكد لدينا أن الحدث العظيم والمبارك يضفي شيئاً من عظمته على الزمن في كثير من الأحيان.

فقد جاء في فضل يوم الجمعة في صحيح مسلم: «إن الله خلق آدم يوم الجمعة وأدخله الجنة يوم الجمعة»[صحيح مسلم: 3/6، كتاب الصلاة، باب فضل يوم الجمعة].

وهكذا الشأن في بركة شهر رمضان، قال تعالى: (شهر رمضان الذي اُنزل فيه القرآن هدىً للناس وبيّنات من الهدى والفرقان)[البقرة: 185].

وكذلك البركة في ليلة القدر، حيث قال تعالى: (إنّا أنزلناه في ليلة القدر* وما أدراك ما ليلة القدر* ليلة القدر خير من ألف شهر)[القدر: 1 ـ 3].

فخلود البركة في هذه الأيام جاء نتيجة لحوادث إلهية مهمّة كنزول القرآن فيها.

فإذا كان المنشأ في تقديس الأيام يعود للحدث الإلهي المبارك; فلماذا لا يكون يوم مولد النبي(صلى الله عليه وآله)، يوماً مباركاً يستحق التقديس ويكون الاحتفال به من هذا القبيل؟

هذا التخريج يصدق بخصوص المناسبات التي هي مورد النص، أو التي أقامها المسلمون في عصر التشريع، كالاحتفال بعيد الفطر والأضحى أو بيوم الغدير أو يوم عرفة.

وهناك اتجاهات أفرطت في التقديس لهذه المناسبات، وتقابلها اتجاهات حاولت إلغاء أي تقديس لأي مناسبة تَمُتّ إلى الرسول وأهل بيته(عليهم السلام) والإسلام بصلة، زاعمة أن مثل هذا الاحترام والتبجيل بالخصوص يعد بدعة في الدين لا ينبغي السكوت عنه، فأخذت تشوّش على المسلمين احتفالاتهم بالمولد النبوي، متنكرة لعموم النصوص وخصوصها، رافعة شعار التوحيد لتلغي تحت لوائه كل شيء يرتبط بأوليائه، الذين هم مصاديق الهداية ومناراته المعنوية لتدل العباد على معبودها الحقّ.

ومن هذه المفردات التي طرحت في عصرنا هذا قضية الاحتفال بالمولد النبوي ومواليد سائر العظماء من أهل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.


الأمر الثاني: هل الاحتفال بالمولد النبوي بدعة أم من صميم الدين؟

ولأجل أن نعرف متى يكون الشيء جائزاً في الدين، نقول: إن الشيء يكون جائزاً ومن صميم الدين; إذا وقع عليه النص بشخصه، كالاحتفال في عيدي الفطر والأضحى، والاجتماع في يوم عرفة، فهذه الموارد لا شك في جواز الاحتفال أو الاجتماع بها، وتخرج عن كونها من البدع.

وأحياناً يكون الشيء جائزاً وأيضاً من صميم الدين، في حالة ما إذا وقع النص عليه على الوجه الكلي، وفي هذا المورد يُترك اختيار الاُسلوب والطريقة للمسلم ليعبّر كيف يشاء وبأي طريقة كانت عن امتثاله لهذا الأمر، شريطة أن لا يدخله في المحرمات. ومن الأمثلة على ذلك:

1 ـ ندب الشارع إلى تعليم الأولاد وضرورة التعلم، ولا شك أن لهذا الأمر الكلي أشكالاً وألواناً تتغير حسب تبدّل وتغيّر الأزمان. والكتابة في السابق كانت متحققة بقلم القصب، أو بالكتابة بريش الطائر، أما الآن فقد تطورت أساليب الكتابة والتعليم، حيث استخدمت الأجهزة المتطورة كالتعليم بواسطة الكامبيوتر أو الأشرطة وما شاكل..

في هذا المثال نجد الشارع المقدس قد أمر بالتعليم على الوجه الكلي، إلاّ أنه ترك اختيار الاُسلوب لنفس المكلف.

2 ـ إن الصحابة ـ كما يقال ـ قاموا بجمع آيات القرآن المتفرقة في مصحف واحد، ولم يصف أحد منهم هذا العمل بأنه بدعة، وما هذا إلاّ لأن عملهم كان تطبيقاً لقوله سبحانه: (إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون)[الحجر: 9] فعملهم في الواقع كان مصداقاً عملياً لظواهر عامة شرعية من الكتاب والسنّة، وعلى ذلك جرى المسلمون في مجال الاهتمام بالقرآن من كتابته وتنقيطه، وإعراب كلمه وجمله وعدّ آياته، وتمييزها بالنقاط الحمر وأخيراً طباعته ونشره، وتقدير حفّاظه وتكريمهم والاحتفال بهم، إلى غير ذلك من الاُمور التي كلها دعم لحفظ القرآن وتثبيته وبقائه، وإن لم يفعله رسول الله ولا الصحابة ولا التابعون، إذ يكفي وجود أصل له في الأدلة.

3 ـ الدفاع عن بيضة الإسلام وحفظ استقلاله وصيانة حدوده من الأعداء، أصل ثابت في القرآن الكريم، قال سبحانه: (وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة)[الأنفال: 60] وأما كيفية الدفاع ونوع السلاح ولزوم الخدمة العسكرية فالكل تطبيق لهذا المبدأ وتجسيد لهذا الأصل، فربما يرمى التجنيد العمومي بأنه بدعة، غفلة عن حقيقة الحال وأن الإسلام يتبنّى الأصل ويترك الصور والألوان والأشكال إلى مقتضيات الظروف.

هذا هو الأصل الذي به يميز «البدعة» عن «التطبيق» و «الابتداع» عن «الاتباع» وإليك تصريحات بعض العلماء حول موضوع البحث :

أ ـ قال ابن رجب: قوله(صلى الله عليه وآله): «وإياكم ومحدثات الاُمور فإن كل بدعة ضلالة» تحذير للاُمة من اتباع الاُمور المحدثة المبتدعة، وأكد ذلك بقوله: «كل بدعة ضلالة»، والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما له أصل فليس ببدعة، وإن كان بدعة لغةً، وفي صحيح مسلم: عن جابر (رضي الله عنه) عنه أن النبي(صلى الله عليه وآله) كان يقول في خطبته: «إن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد وشرّ الاُمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة...»، وقوله: «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من اُصول الدين، وهو شبيه بقوله(صلى الله عليه وآله): «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» فكل مَن أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه; فهو ضلالة والدين بريء منه[جوامع العلوم والحكم: 223].

ب ـ وقال ابن حجر في شرح قوله(صلى الله عليه وآله): «إن أحسن الحديث كتاب الله»: والمحدثات ـ بفتح الدال ـ جمع محدثة، والمراد ما أحدث وليس له أصل في الشرع، ويسمى في عرف الشرع «بدعة» وما كان له أصل يدل عليه الشرع; فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة، فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة، سواء أكان محموداً أو مذموماً، وكذا القول في المُحدَثة[فتح الباري: 13/253، شرح الحديث 7277].

ولكن عندما نُراجع القرآن الكريم والسنّة الشريفة سنجد أن هناك أصلاً مهماً في الدين قد جاء في حق النبي(صلى الله عليه وآله)، وهو لزوم تكريمه(صلى الله عليه وآله) وتعظيمه حياً وميتاً، وهذا الأصل لا يمكن لمسلم إنكاره، أما كيفية تطبيق هذا التعظيم والتكريم فذلك متروك للمسلم بشرط أن لا يدخله في المحرمات.

الأمر الثالث: لزوم تكريم النبيّ(صلى الله عليه وآله)حياً وميتاً

ورد بشأن الحث على احترام وتعظيم ومحبة شخص رسول الله(صلى الله عليه وآله) في القرآن الكريم عدد من الآيات منها:

1 ـ قوله تعالى: (فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتّبعوا النّور الذي اُنزل معه اُولئك هم المفلحون)[الأعراف: 157].

ذكر المفسرون أن المراد من (التعزير) في الآية ليس مطلق النصرة، إذ أنه أفرد عن قوله: (نصروه)، ولو كان بمعنى مطلق النصرة; لما كان هناك داع للتكرار، فالمراد من (التعزير) هو التبجيل والتوقير والتعظيم أو النصرة مع التعظيم[مجمع البيان: 4/604 والبحر المحيط: 5/196 وتفسير القرآن العظيم لابن كثير: 9/265، وتفسير الميزان: 8/296].

2 ـ ومنها قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون* إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله اولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم)[الحجرات: 2 ـ 3].

بهذه الآية يشير القرآن إلى الأدب الخاص الذي ينبغي مراعاته حينما يتعامل المسلمون مع رسول الله، مع ضرورة حفظ مكانته(صلى الله عليه وآله) كرسول وهاد إلى ربّه، باعتبار وصفه بالنبوّة في الآية الكريمة.

3 ـ قوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرّسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً)[النور: 63].

وفي هذه الآية ينهى القرآن الكريم أن يُدعى النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)باسمه، كما يُدعى سائر الناس.

4 ـ قوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلّون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً)[الأحزاب: 56].

في هذه الآية أمر للمسلمين بأن يذكروا النبي(صلى الله عليه وآله) بالدعاء والصلاة والتسليم، لما له من عظيم المنزلة عند الله سبحانه، ولما له من المقام المحمود.

وورد الحث على لزوم تكريم الرسول(صلى الله عليه وآله) وتعظيمه ومحبته في عدد من الروايات. وإليك جملة منها:

1 ـ عنه(صلى الله عليه وآله) أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحب إليه من ماله وأهله والناس أجمعين»[صحيح مسلم: 3/275 و 3/183 وفي مسند أحمد: 4/183، ح 13499 و 12739، السنن الكبرى للنسائي: 6/534 / ح11745 وفي البخاري: 1/9].

2 ـ وروي أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله! لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلاّ من نفسي، فقال(صلى الله عليه وآله): «والذي نفسي بيده حتى أكون أحبّ إليك من نفسك». فقال له عمر: فأنت الآن أحبَّ إليُّ من نفسي، فقال: «الآن يا عمر»[سعيد حوّي، السيرة بلغة الحب والشعر: 15] ؟

3 ـ وعن ابن عباس عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنه قال: «... وأحبوني بحبِّ الله، وأحبوا أهل بيتي لحبّي»[سنن الترمذي: 5/622، ح 3789 ].

فثبت بدليل القرآن والسنّة الشريفة وجوب احترام النبي(صلى الله عليه وآله)وتكريمه ومحبته.

لكن الشريعة قد تركت كيفية إبراز هذا التكريم والاحترام والتبجيل إلى المسلمين أنفسهم، ليعبروا عنه وفق عاداتهم وتقاليدهم الحياتية المتنوعة والمتطورة، وبما تفيض به عواطفهم تجاه شخصية الرسول(صلى الله عليه وآله)، شريطة أن لا يُرتكب عمل محرّم أو مناف للآداب الإسلامية المقررة في الكتاب والسُنّة.


الأمر الرابع: يوم ولادة النبي(صلى الله عليه وآله) من أيام الله

ومن الأدلة على شرعية الاحتفال بذكرى مولد النبي(صلى الله عليه وآله)، قوله تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظّلمات إلى النّور وذكّرهم بأيّام الله إنّ في ذلك لآيات لكل صبار شكور)[ابراهيم: 5]. حيث يطلب الله سبحانه من النبي موسى(عليه السلام) أن يذكّر اُمّته بأيام الله، ومعنى ذلك أن التذكير بأيام الله أمر مطلوب ومحبوب عند الله، إذ لا يختص ذلك بموسى واُمّته.

ولم يكن المقصود من الأيام هو محض الزمن، وإنّما المقصود هو التذكير بالحوادث الكبرى السالفة، وسميت بالأيام، لأن الأيام ظرف لهذه الوقائع سواء منها أيام النعمة أم أيام المحنة والبلاء، لأن الأيام جامعة لكلا النوعين من الحوادث.

وهذه الحوادث والوقائع هي مصاديق لفاعلية سنن الله في المجتمعات البشرية، لذا يكون التذكير بها من مهمّات الرسول(صلى الله عليه وآله)وجانباً من تبليغه وتربيته لاُمّته.

ولم يكن التذكير والوعظ هنا بأيام الله العظيمة كيفما اتفق، وإنّما التذكير كان مطلوباً بأيام معروفة في حوادثها.

ومعنى الآية: عظهم يا رسول الله بالترغيب والترهيب، فالترغيب أن يذكرهم بما أنعم الله عليهم، وعلى من كان قبلهم ممن آمن بالرسل فيما سلف من الأيام المقرونة بالحوادث العظيمة مثل ما نزل بعاد وثمود وغيرهم.

وإن أيام الله في حق موسى منها أيام محنة وبلاء، ومنها أيام نعمة وانتصار.

وقد ذكر القرآن الكريم بأنّ العلّة من وراء التذكير بهذه الأيام لغرض كونها دروساً وآيات لكل صبار شكور[راجع الكشاف للزمخشري: 2/540 وتفسير الثعالبي: 3/375 والدر المنثور: 4/132 والتفسير الكبير للفخر الرازي: 19/84 والعياشي: 6/59 ومجمع البيان: 6/59 والميزان للطباطبائي: 11/18 والجامع الكبير لأحكام القرآن: 9/342].

فهي ذات نتائج إيجابية وتربوية في طريق إيجاد اُناس صابرين وشكورين، فبهم تنجح الاُمة وتنتصر على أعدائها وتفوز بتطبيق الرسالة الإلهية بشكل صحيح.

والاُمة الإسلامية في تأريخها العظيم، قد مرّت بحوادث ووقائع كبرى، كانت محلاًّ للعبرة والاتعاظ، فمنها أيام نعمة، ومنها أيام محنة وبلاء، ويوم ولادة النبي في حياة المسلمين يُعد حدثاً عظيماً ومن الأيام التي أنعم الله بها لا على المسلمين فقط، وإنّما على الإنسانية جمعاء، كباقي الأيام التي تكون مورداً للتذكير، فيأتي الاحتفال كممارسة عبادية ومصداقاً لذكر النعم التي منَّ الله بها علينا وتطبيقاً لمضمون الآية الكريمة (... وذكّرهم بأيام الله)[ابراهيم: 5]...

ويوم الولادة في حياة الأنبياء يعدّ يوماً مهماً ومباركاً . فقد سلّم الله على نبيّه يحيى في هذا اليوم، حيث قال: (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يُبعث حيّاً)[مريم: 15] وسلّم النبي عيسى على نفسه في هذا اليوم بقوله: (والسّلام عليَّ يوم ولدتّ...)[مريم: 33].

ونبيّنا أفضل الأنبياء، فلابد أن يكون يوم ولادته أشرف من يوم ولادة غيره من الأنبياء، والتذكير به يكون أكبر حجماً وعطاءً من التذكير بولادة غيره، فإنه اليوم الذي أنعم الله به على البشرية بخاتم الأنبياء على الإطلاق.


الأمر الخامس: الواقع التاريخي ليوم المولد النبوي

يقول المؤرخون: كان ازدياد التعظيم للنبي(صلى الله عليه وآله) بين أهل الصلاح والورع سبباً في أن صار يحتفل بمولده عام (300 هـ )[المواسم والمراسم، جعفر مرتضى العاملي: 41] أي أن الاحتفال كان أسبق من هذا التاريخ، وفي هذه الفترة الزمنية قد انتقل من صورته الفردية إلى الاحتفال بصورته الجماعية، والسبب يعود للاهتمام المتزايد الذي كان يبديه أهل الصلاح والورع من أبناء الاُمة الإسلامية بهذا اليوم.

ولذا يُنقل عن الكرجي ـ المتوفّى عام 343 هـ ـ وكان من الزُهّاد المتعبدين، أنه كان لا يفطر إلاّ في العيدين، وفي يوم مولد النبي(صلى الله عليه وآله)[الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري: 2/298].

وقال القسطلاني: ولازال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده(صلى الله عليه وآله)ويعملون الولائم، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور ويزيدون في المبرّات ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم. الى أن قال: فرحم الله امرءً اتّخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً[المواهب اللدنية: 1/27 ، وراجع أيضاً السيرة النبوية لدحلان: 1/24 والسيرة الحلبية: 1/83 ـ 84]

ثم يثني القسطلاني على موقف ابن الحاج بقوله: ولقد أطنب ابن الحاج في المدخل في الإنكار على ما أحدثه الناس من البدع والأهواء والغناء بالآلات المحرمة عند عمل المولد الشريف، فالله تعالى يثيبه على قصده الجميل[المواهب اللدنية: 1/27 ، وراجع أيضاً السيرة النبوية لدحلان: 1/24 والسيرة الحلبية: 1/83 ـ 84 ] .

قال السخاوي: لا زال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمدن الكبار يعملون المولد، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم[السيرة الحلبية: 1/83 ـ 84 والسيرة النبوية، لدحلان: 1/24 وتاريخ الخميس: 1/223].

وقال ابن عباد في رسائله الكبرى: وأما المولد فالذي يظهر لي أنه عيد من أعياد المسلمين وموسم من مواسمهم وكل ما يفعل فيه مما يقتضيه وجود الفرح والسرور بذلك المولد المبارك، من إيقاد الشمع، وإمتاع البصر والسمع، والتزيّن بلباس فاخر الثياب، وركوب فاره الدواب، أمر مباح لا ينكر عليه أحد[ راجع القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل: 175].

وعن ابن حجر أنه قال: وأما ما يعمل فيه، فينبغي الاقتصار على ما يفهم منه الشكر لله تعالى من التلاوة، والإطعام، والصدقة، وإنشاء شيء من المدائح النبوية والزهدية... وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو، وغير ذلك، فما كان من ذلك مباحاً، بحيث لا ينقض السرور بذلك اليوم، لا بأس بإلحاقه به، وأما ما كان حراماً أو مكروهاً، فيمنع، وكذا ما كان خلاف الاُولى[تلخيص من رسالة حسن المقصد للسيوطي والمطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم: 90].


الاحتفال بالمولد النبوي عند الحكّام والساسة

يُذكر أن أول من احتفل بمولد النبي(صلى الله عليه وآله) من الحكّام، هو الأمير أبو سعيد مظفر الدين الأربلي، المتوفى 630 هـ [الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري: 2/299 عن الزرقاوي: 1/164، وراجع التوسل بالنبي وجهلة الوهابيين: 115 ورسالة حسن المقصد للسيوطي المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم: 75 و 80 و 477 والبداية والنهاية: 13/137].

وكان يفد إلى هذا العيد، طوائف من الناس من بغداد، والموصل، والجزيرة، وسنجار، ونصيبين، بل ومن فارس. منهم العلماء والمتصوفون، والوعاظ، والقرّاء، والشعراء، وهناك يقضون في أربلا من المحرم إلى أوائل ربيع الأول.

وكان الأمير يقيم في الشارع الأعظم مناضد عظيمة من الخشب، ذات طبقات كثيرة، بعضها فوق بعض، تبلغ الأربع والخمس، ويزيّنها، ويجلس عليها المغنّون، والموسيقيون، ولاعبوا الخيال حتّى أعلاها... الخ[وفيات الأعيان: 1/436 ـ 437 وشذرات الذهب: 5/136 ـ 140 والسيرة النبوية، لدحلان: 1/24 ـ 25 والبداية والنهاية: 23/137].

ويقول السيد رشيد رضا: إن أول من أبدع الاجتماع لقراءة قصة المولد النبوي، أحد ملوك الشراكسة في مصر[راجع القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل: 305 عن الفتاوي: 4].

كما قد اُ لّف العديد من المصنفات من الكتب والرسائل ونشرت بحوث كثيرة تتحدث عن مشروعية المولد النبوي وسائر المواسم والمراسم، هذا عدا البحوث المبثوثة في الكتب المختلفة، المؤلّفة لأغراض اُخرى فمن هذه الكتب والرسائل:

1 ـ كتاب (التنوير في مولد السراج المنير) لابن دحية الذي أ لّفه للأمير مظفر الدين حيث أعطاه الأمير ألف دينار غير ما غرم عليه مدة إقامته[وفيات الأعيان: 1/ 381 و 437 ورسالة حسن المقصد للسيوطي: 75 و 77 والبداية والنهاية: 13/137 والسيرة الحلبية: 1/83 ـ 84].

2 ـ رسالة السيوطي المسماة بـ (حسن المقصد).

3 ـ كتاب (المولد) لابن الربيع.

4 ـ كتاب (النعمة الكبرى على العالم في مولد سيد ولد آدم) لشهاب الدين أحمد بن حجر الهيثمي الشافعي، صاحب كتاب الصواعق المحرقة[راجع المواسم والمراسم، جعفر مرتضى العاملي: 25].


خواص المولد وأحكامه:

وليوم المولد بعض الأحكام الشرعية الخاصة به، كما أن له بركات ومواهب يَمنّ بها الله سبحانه على عباده.

1 ـ يفهم من أقوال العلماء ـ سابقي الذكر ـ على أن يوم المولد يعتبر عيداً كباقي الأعياد، مثل القسطلاني، وابن الحاج، وابن عباد، وابن حجر[المواهب اللدنية: 1/27 ، والسيرة النبوية لدحلان: 1/24، والسيرة الحلبية: 1/83 ـ 84].

2 ـ قال ابن الجوزي: ومن خواصه، أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام[المواهب اللدنية: 1/27 وتاريخ الخميس: 1/223 وجواهر البحار: 3/340 عن أحمد عابدين والسيرة النبوية، لدحلان: 1/24 ].

3 ـ استحباب القيام ووجوب الصلاة عليه، وقد ذكروا: أنهم كانوا يقومون وقوفاً احتراماً وإجلالاً، وقد تكلموا في حكم هذا القيام.

قال الصفوري الشافعي: مسألة القيام عند ولادته، لا إنكار فيه فإنّه من البدع المستحسنة. وقد أفتى جماعة باستحبابه عند ذكر ولادته. وقال جماعة بوجوب الصلاة عليه عند ذكره وذلك من الإكرام والتعظيم له(صلى الله عليه وآله)...[ نزهة المجالس: 2/80].


ابن تيمية والغناء في العيد

وقد أوضح ابن تيمية: أن العيد لا يختص بالعبادة، والصدقات، ونحوها، بل يتعدى ذلك إلى اللعب، وإظهار الفرح أيضاً.

وقد رأى ابن تيمية: أن لذلك أصلاً في السُنّة، أي في الرواية التي تذكر أنه قد كان عند النبي(صلى الله عليه وآله) جوار يغنين، فدخل أبو بكر، فأنكر ذلك، وقال: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله؟

فقال النبي(صلى الله عليه وآله): «إن لكل قوم عيداً، وإن عيدنا هذا اليوم»[اقتضاء الصراط المستقيم: 194 ـ 195 والرواية في ص 193 عن الصحيحين. وراجع صحيح البخاري: 1/111 ط الميمنية وصحيح مسلم: 2/22 والسيرة الحلبية: 2/61 ـ 62 وشرح مسلم للنووي بهامش إرشاد الساري: 4/195 ـ 197 ودلائل الصدق: 1/389 وسنن البيهقي: 10/224 واللمع لأبي نصر: 274 والبداية والنهاية: 1/276 والمدخل لابن الحاج: 3/109 والمصنف: 11/104 ومجمع الزوائد: 2/206 في الكبير عن الطبراني].

وأضاف: أن المقتضي لما يفعل في العيد، من الأكل والشرب، واللباس والزينة، واللعب والراحة ونحو ذلك، قائم في النفوس كلها، إذا لم يوجد مانع، خصوصاً نفوس الصبيان، والنساء، وأكثر الفارغين[ اقتضاء الصراط المستقيم: 195، فإذا كان العيد لا يختصّ بالعبادة والصدقات بل يتعداها وان المقتضي لما يفعل في العيد قائم في النفوس كلّها، فما هو المانع من الاحتفال بذكرى المولد باظهار الفرح والسرور والراحة على فرض قبول الرواية المذكورة].


الأمر السادس: مناقشة القائلين بحرمة الاحتفال بالمولد النبوي

رغم وضوح شرعية الاحتفال بمولد النبي(صلى الله عليه وآله) وارتباطه بأصل الدين، إلاّ أن المتسمّين بالسلفية مازالت تصرّ على أن الاحتفال يندرج ضمن دائرة الابتداع.

يقول ابن تيمية: وكذلك ما يحدثه بعض الناس، إما مضاهاةً للنصارى في ميلاد عيسى(عليه السلام) ، وإما محبة للنبي(صلى الله عليه وآله)، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع من إتّخاذ مولد رسول الله(صلى الله عليه وآله) عيداً، مع اختلاف الناس في مولده، فإنّ هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له، وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف أحقّ به منّا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله وتعظيماً له منّا...

ويضيف القول:

كما أن ابن الحاج رغم اعترافه ليوم مولد النبي(صلى الله عليه وآله) من الفضل، لا يوافق على الاحتفال بالمولد لما فيه من المنكرات، ولأن النبي أراد التخفيف عن اُمّته، ولم يرد في ذلك شيء بخصوصه فيكون بدعة[المدخل لابن الحاج: 2/3].

فالذي نلاحظه من خلال كل هذه المقولة المتقدمة، أنّ الذين حظروا على الناس الاحتفال بيوم المولد والمناسبات الإسلامية الاُخرى، وعدّوا هذا الأمر عملاً محرّماً، قد بنوا استدلالهم هذا على فهم مغلوط لمعنى (الابتداع)، فقد تصوّروا أن معنى عدم الارتباط بالدين، هو عدم وجود الأمر في الصدر الأول للتشريع، أو عدم ورود الدليل الخاص، الذي يذكره بشخصه وعنوانه، ومعنى الارتباط بالدين هو وجود ذلك الأمر في عصر التشريع الأول، أو ورود أمر فيه بخصوصه.

والمدار في الابتداع ليس هو ورود الدليل الخاص، أو عدم وروده فحسب; وإنّما يجب النظر في عموميات التشريع والأدلة الكلية التي تخرج العمل عن حيّز (الابتداع)، كما أنّ عدم وجود العمل في العصر الأول للتشريع لا يساوق عدم مطلوبية الشريعة له، ووجوده لا يساوق مطلوبيته، لأنّ المدار في الابتداع ليس هو وجود العمل أو عدم وجوده في عصر التشريع.

وقد حاول البعض أن يضيف دليلاً آخر لتحريم الاحتفال بالمولد النبوي، وهو اشتمال هذه الاحتفالات على الاُمور المحرّمة غالباً كالموسيقى، والغناء، واختلاط النساء بالرجال... وغير ذلك.

ونحن في الوقت الذي نرفض فيه وجود هذا النمط المدّعى من السلوك المحرّم في احتفالات المولد التي يقيمها أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) رفضاً قاطعاً، ونعتبر ذلك تهمة لا أساس لها.. نؤكد على أنّ الاقتران بحدِّ ذاته لا يشكل إلغاءً لأصل العمل، ولا يؤدي إلى القول بتحريمه، إذ أنّ القول بذلك يستلزم القول ببطلان اُصول العبادات المسلّمة فيما لو اقترنت بأي عنوان تحريمي، وهذا ما لا يتفوه به أحد، فلو اقترنت الصلاة الواجبة بالنظر إلى المرأة الأجنبية مثلاً الذي هو عمل محرّم قطعاً ; فهل يُقال هنا بأنّ الصلاة الواجبة أصبحت (بدعة) يحرم الإتيان بها ـ والعياذ بالله؟ وهل يسري التحريم بطريقة تصاعدية إلى أصل تشريعها وإيجابها بمجرد هذا الاقتران؟

والذي يهمنا ذكره هنا هو أنّ النصوص الشرعية العامة الواردة في مقام التأكيد على ضرورة احترام شخصية الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)، وتبجيله، وتوقيره، حياً وميتاً، مما لا يسع أحد انكارها، أو التشكيك فيها لكثرتها وتواترها، وهي كافية لأن تصحح عمل المولد، وتضفي عليه طابع الشرعية، وتجعله من مظاهرها البارزة، ومصاديقها الواضحة والجلية.

من هنا فقد أدرك بعض علماء الجمهور، عمق انتساب هذا الأمر إلى الشريعة، عن طريق الأدلّة الكلية المتسالمة، فعبّر البعض عنه بـ (البدعة الحسنة)، فيقول (ابن حجر) بهذا الشأن: عمل المولد بدعة، لم تُنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنّها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدّها، فمن تحرّى في عملها المحاسن، وتجنّب ضدها كان بدعةً حسنةً، وإلاّ فلا[جعفر مرتضى العاملي، المواسم والمراسم، ص 62، عن رسالة المقصد المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيين: 114].

ويقول الإمام (أبو شامة): ومن أحسن ما اُبتدع في زماننا، ما يُفعل كلّ عام في اليوم الموافق ليوم مولده(صلى الله عليه وآله) من الصدقات، والمعروف، وإظهار الزينة، والسرور، فإنّ ذلك مع ما فيه من الإحسان للفقراء مشعر بمحبته(صلى الله عليه وآله) وتعظيمه في قلب فاعل ذلك، وشكر الله على ما منّ به من إيجاد رسوله(صلى الله عليه وآله) الذي أرسله رحمةً للعالمين[السيرة الحلبية: 1/83 ـ 84].

ويقول السيوطي في رسالته (حسن المقصد في عمل المولد): عندي أنّ أصل عمل المولد، الذي هو اجتماع الناس، وقراءة ما تيسّر من القرآن، ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي(صلى الله عليه وآله)، وما وقع في مولده من الآيات، ثم يمدّ لهم سماطاً يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك، هو من البدع الحسنة التي يُثاب عليها صاحبها، لما فيه من تعظيم قدر النبي(صلى الله عليه وآله)، وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف[سعيد حوّى، كي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر: 6، السيرة بلغة الحب والشعر: 42].

وينقل (ابن تيمية) أقوالاً عديدة تدل على مشروعية الاجتماع والاحتفال بيوم المولد النبوي الشريف، على الرغم من أنّه من المتشددين على مَن يتخذه عيداً كما يزعم.

ويقول: قال المروزي: سألت أبا عبدالله عن القوم يبيتون، فيقرأ قارئ ويدعون حتّى يصبحوا؟ قال: أرجوا أن لا يكون به بأس... وقال أبو السري الحربي: قال أبو عبدالله: وأي شيء أحسن من أن يجتمع الناس يصلّون ويذكرون ما أنعم الله عليهم، كما قالت الأنصار؟.

وأضاف: وهذا إشارة إلى ما رواه أحمد: حدّثنا اسماعيل، أنبأنا أيوب، عن محمد بن سيرين، قال: نبئت أنّ الأنصار قبل قدوم رسول الله(صلى الله عليه وآله) المدينة، قالوا: لو نظرنا يوماً فاجتمعنا فيه، فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله به علينا، فقالوا يوم السبت، ثم قالوا لا نجامع اليهود في يومهم، قالوا فيوم الأحد، قالوا لا نجامع النصارى في يومهم، قالوا فيوم العروبة، وكانوا يسمّون يوم الجمعة يوم العروبة، فاجتمعوا في بيت أبي اُمامة أسعد بن زرارة، فذُبحت لهم شاة فكفتهم[ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم: 304، وأصله في السيرة النبوية لابن هشام وعنه في موسوعة التاريخ الإسلامي: 1].

إذاً فمشروعية الاجتماع للاحتفال والابتهاج، بالذكريات الدينية المهمة نزعة إنسانية، تسير جنباً إلى جنب مع الفطرة البشرية، وتنبعث طبيعياً ما دام الإنسان يحيا في جوِّ الجماعة الإنسانية، ولذا نرى أنَّ المسلمين لم يتخلفوا عن مجاراة هذا السلوك الإنساني في مناسباتهم الدينية المختلفة، وهذا الذي ينقله لنا (ابن تيمية) واحد من عشرات المظاهر التي كانت تعبّر عن هذا الواقع، وتعكسه في حياة المسلمين، بما يتناسب وينسجم مع طبيعة الأعراف والتقاليد والاهتمامات التي كانت تحكم المجتمع آنذاك، الأمر الذي يدلل على أنّ جذور إقامة الاحتفال، والاجتماع لإحياء الذكريات الإسلامية كانت ممتدة إلى بدايات عصر ظهور الدعوة الإسلامية المباركة.

ولقد كان رأي (سعيد حوّى) أكثر تحرراً واعتدالاً من آراء الآخرين في هذه المسألة، حين دعم القول بجواز إحياء الذكريات الإسلامية عموماً، وذكرى مولد النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) على نحو الخصوص، بالأدلة المقنعة، وحمل على المتشددين الذين لم يحسنوا فهم معنى (الابتداع)، على الرغم من أ نّه لم يبرح عاكفاً على الإيمان بأنّ (البدعة) تنقسم إلى مذمومة وممدوحة.

فيقول: والذي نقوله أن يعتمد شهر المولد، كمناسبة يُذكّر بها المسلمون بسيرة رسول الله(صلى الله عليه وآله)وشمائله فذلك لا حرج، وأن يعتمد شهر المولد، كشهر تهيج فيه عواطف المحبة نحو رسول الله(صلى الله عليه وآله)فذلك لا حرج فيه، وأن يعتمد شهر المولد، كشهر يكثر فيه الحديث عن شريعة رسول الله(صلى الله عليه وآله) فذلك لا حرج فيه، وأنّ مما اُلف في بعض الجهات، أن يكون الاجتماع على محاضرة وشعر، أو إنشاد في مسجد، أو في بيت بمناسبة شهر المولد، فذلك مما لا أرى حرجاً فيه، على شرط أن يكون المعنى الذي يُقال صحيحاً.

إنّ أصل الاجتماع على صفحة من السيرة، أو على قصيدة في مدح رسول الله(صلى الله عليه وآله) جائز، ونرجو أن يكون أهله مأجورين، فإن يُخصص للسيرة شهر يُتحدث عنها فيه بلغة الشعر والحب فلا حرج.

ألا ترى لو أنّ مدرسة فيها طلاّب، خصصت لكل نوع من أنواع الثقافة شهراً بعينه، فهل هي آثمة؟ ما نظن أن الأمر يخرج عن ذلك.

ويضيف إلى ذلك القول:

لقد كان الاُستاذ حسن البنّا رجل صدق، وثاقب نظر، وإماماً في العلم، وكان يرى إحياء المناسبات الإسلامية في عصر مضطرب مظلم، قد غفل فيه المسلمون وجهلوا فيه كثيراً من اُمور دينهم. ومن كلامه(رحمه الله) في مذكراته: إحياء جميع الليالي الواجب الاحتفال بها بين المسلمين، سواء بتلاوة الذكر الحكيم، وبالخطب، والمحاضرات المناسبة...

ثم يحمل على المتشددين قائلاً:

والمتشددون في مثل هذه الشؤون تشددهم في غير محلّه، فليس الأصل في الأشياء الحرمة، بل الأصل فيها الإباحة، حتّى يرد النص بالتحريم، وفهمهم لحديث: «كل ما ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» فهم خاطئ...[سعيد حوّى، كي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر 6، السيرة بلغة الحب والشعر: 36 ـ 39]

ففي الحقيقة أنّ التعبير الاجتماعي عن المشاعر والعواطف الدينية، التي تختزن في نفوس المسلمين أمر متروك لأعراف الناس، وطرقهم المختلفة، وعاداتهم الاجتماعية الخاصة، ونظير هذا الأمر ما تفعله أغلب الدول، أو كلها بالاحتفال في يوم استقلالها، إلاّ أنّ الفرق بين هذه الاحتفالات العامة، وبين الاحتفال بذكرى يوم المولد النبوي الشريف، أو بقية المناسبات الإسلامية المهمة، هو أنّ تلك الاحتفالات العامة خاضعة إلى الرسوم والآداب، والأعراف التي تحكم حياة الناس، من دون أن تكون مشمولة بعموميات التشريع التي تُدخلها في دائرة الندب والمطلوبية، وأمّا الاحتفال بالذكريات الإسلامية، ولا سيما بمولد النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) فهو مشمول بأوامر الشريعة الإسلامية، ومأثور عنها كما تقدم الكلام فيه.

وختاماً، لابدّ من القول بأ نّا إذا نظرنا إلى دوافع ومنطلقات هذا اللون من السلوك الذي يتمسك به أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، ويصرّون على ممارسته، والمواظبة عليه في مختلف الذكريات الإسلامية المفرحة، والمحزنة، ولا سيما إصرارهم على الاحتفال بيوم المولد النبوي الشريف، فإنّا نجد الحرص الأكيد من قبل هؤلاء على إبقاء معالم شخصية الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)متألقةً، وحيّةً في ضمائر المسلمين حيناً بعد حين، والاعتزاز بتعاليم الرسالة الإسلامية، وتجديد الانبعاث نحوها، والتمسك بها، إذ أنّ المطّلع على برامج هذه الاحتفالات، يلاحظ أنّها تستهدف أول ما تستهدف تجلية مكانة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)، وإبراز آثارها ومعطياتها الخالدة، من خلال الكلمات، والقصائد، والخطب والخواطر، والمقالات الإسلامية الهادفة، بل وقد يتضمن البعض منها تقديم الدراسات المتنوعة، حول الجوانب المختلفة من حياته الكريمة، وجهاده الكبير، في إعلاء كلمة الله على وجه الأرض، وغير ذلك من الاُمور التي ترتبط به(صلى الله عليه وآله)، وتشد المسلمين نحو سيرته، وتحثّهم على الاقتداء به، والسير على هداه.

ولمزيد من توضيح القول نطالع قول السيد محسن الأمين العاملي :

وأما جعل التذكار لمواليد الأنبياء والأولياء الذي يسمّيه الوهابية بالأعياد والمواسم بإظهار الفرح والزينة في مثل يوم ولادتهم التي كانت نعمة من الله على خلقه. وقراءة حديث ولادتهم كما يتعارف قراءة حديث مولد النبي(صلى الله عليه وآله)، وطلب المنزلة والرفعة من الله لهم وتكرار الصلوات والتسليم على الأنبياء، والترحّم على الصلحاء، فليس فيه مانع عقلي ولا شرعي، إذا لم يشتمل على محرم خارجي، كغناء أو فساد أو استعمال آلات اللهو أو غير ذلك، كما يفعل جميع العقلاء وأهل الملل في مثل أيام ولادة عظمائهم وأنبيائهم، وتبوئ ملوكهم عروش الملك وكل ذلك نوع من التعظيم، فإن كان صاحبه أهلاً للتعظيم; كان طاعة وعبادة لله تعالى، ولكن ليس كل تعظيم عبادة للمعظم. فقياس ذلك بفعل المشركين مع أصنامهم قياس فاسد[كشف الإرتياب، السيد محسن الأمين العاملي: 450].


خلاصة البحث:

مسألة الاحتفال بالمولد النبوي قد اعتادها المسلمون منذ قرون ولازالوا حتّى الآن.

وليس بصحيح دعوى من يقول بأن الاحتفال بذكرى المولد من البدع، وليس من صميم الدين، لأن مستند هذه الدعوى مبنيٌّ على فهم مغلوط لمعنى الابتداع ; إذ تصوروا أن معناه هو عدم وجود الظاهرة في الصدر الأول، أو عدم وجود الدليل الخاص عليها.

لكن الصحيح أن الشيء أو الفعل يكون جائزاً في الدين على وجهين :

الأول: إذا وقع النص عليه بشخصه، كالاحتفال في عيدي الفطر والأضحى.

والثاني: إذا وقع النص عليه على الوجه الكلي، ولكن يترك كيفية التنفيذ إلى الناس أنفسهم، كما هو الأمر في تهيئة معدّات وأساليب الجهاد المتطورة بشكل مستمر.

والاحتفال بذكرى المولد النبوي من هذا القبيل، حيث ورد الأمر بتعظيم الرسول(صلى الله عليه وآله)وتكريمه، إلاّ أنّ مصداق التعظيم متروك للمكلف.

وعلى هذا الأساس يحتفل المسلمون، بما فيهم أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، بيوم مولد النبي(صلى الله عليه وآله) انطلاقاً من هذا التصور المشروع

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2009, 05:42 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
حيدر الكربلائي
الدم الأحمر تفجر
الطويرجاوےِ

 
الصورة الرمزية حيدر الكربلائي
 
وسام الإدارة ADMIN3 وسام الوفاء 
مجموع الاوسمة: 3 (أكثر» ...)
إحصائية العضو









حيدر الكربلائي غير متواجد حالياً

 

 

 

افتراضي


زيارة القبور

مقدمة

إن ظاهرة زيارة القبور والاهتمام بالموتى من الظواهر المتكررة في تاريخ المجتمعات البشرية. والمتتبع لها سيجد أنها لا تختص بالمجتمع الديني ولا بالمسلمين، بل هي موضع اهتمام المجتمعات على اختلاف مشاربها ومعتقداتها.

إن الميل الذي يدفع بالإنسان نحو احترام الموتى والاهتمام بزيارة القبور إنّما هو ناجم عن وفرة ما تمنحه هذه الظاهرة من معطيات إيجابية على الصعيد الإنسانيوالاجتماعي، لذا كانت موضع عناية لدى الشعوب.

والشارع المقدس قد لفت نظر المسلمين الى أهمية زيارة القبور فندب إليها في أكثر من موضع، وذلك لتحقيق جملة من الأغراض التربوية التي تعود بالفائدة الى الفرد والمجتمع الإنساني معاً.

ونلخص بعض هذه الفوائد كما يلي:

أ ـ العبرة والاتّعاظ:
تشكل زيارة القبور وسيلة للاتّعاظ والعبرة، حيث يدرك الزائر للقبور بأن مصيره مهما طال فهو إلى الفناء، وهذا الشعور بنفسه يكون رادعاً عن تماديه في الرذيلة، ولذا ركّز الحديث الوارد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) على هذه الفائدة للزيارة، حيث ورد قوله(صلى الله عليه وآله): «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنّ فيها عبرة»[المستدرك للحاكم : 1 / 375، كتاب الجنائز في زيارة القبور].

ولا تقتصر العبرة من زيارة القبور على زيارة قبور الأولياء والصالحين من عباده فحسب، بل نجد القرآن الكريم يرشدنا الى مواطن العبرة حتى بالنسبة لقبور الجبابرة والطواغيت، إذ في زيارتها كمال العبرة والاتّعاظ، قال تعالى بالنسبة لفرعون : (فاليوم ننجّيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون)[يونس: 92].

فشاء الله أن يجعل جسد فرعون الطاغي جثّة هامدة لا حراك فيها بعد أن ملك القدرات في مختلف أنواعها وظن قومه أنه لا يموت.

فالآية ذات دعوة صريحة لبني اسرائيل والأجيال اللاحقة لزيارة قبر فرعون ليشاهدوا المصير الذي انتهى إليه فرعون، وينتهي إليه أمثاله.

قال الزمخشري في تفسيره: وإنّه مع ما كان فيه من عظم الشأن وكبرياء الملك آل أمره الى ما ترون; لعصيانه ربّه عزّ وجل، فما الظن بغيره؟ أو لتكون عبرة تعتبر بها الاُمم بعدك،فلا يجترئوا على نحو ما اجترأت عليه إذا سمعوا بحالك وبهوانك على الله[الكشاف للزمخشري: 2/369].

إذاً فالحكمة من ابقاء بدن فرعون هي لغرض زيارته والزيارة بدورها تعطي العبرة والاتّعاظ.

ب ـ التذكير بالآخرة والزهد في الدنيا:
تساهم زيارة القبور في تعميق الاعتقاد باليوم الآخر الذي هو أصل من اُصول الدين، فإذا آمن الإنسان بأن وراءه يوماً يُسئل فيه عما فعل وأنه لم يخلق عبثاً، فهذا الشعور العميق باليوم الآخر يجعل الإنسان ذا قصد في فعله فيتجنب فعل الشر والإفساد ويتجه نحو فعل الخير الذي هدفه الاصلاح. فتكون الزيارة للقبور هنا وسيلة لتربية الإنسان المسلم على أن يكون ذا قصد إيجابي في فعله، كما أنها ترسخ الاعتقاد بالآخرة والكف عن الحرص للوصول الى متطلبات الدنيا الفانية ولو بالطرق اللامشروعة، ولهذه الفائدة أشير في حديث روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)وهو: «كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكّر الآخرة»[سنن ابن ماجة: 1 / 501 باب 47 حديث 1571].

ج ـ تنمية مشاعر الحب والعواطف النبيلة:
تؤدي زيارة القبور الى تنمية مشاعر الخير وحب الفضيلة، فقد ورد النص عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنه قال: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ليزيدكم زيارتها خيراً»[المستدرك للحاكم : 1 / 376، كتاب الجنائز].

وفي حديث آخر: «... فزوروها فإنّه يرق القلب وتدمع العين وتذكّر الآخرة ولا تقولوا هجراً»[المصدر السابق].

فالبكاء الناشئ من الحبّ لله ينمي الصلة الطيبة بين الإنسان الحي والإنسان الميت وصلة الإنسان الفرد بالمجتمع، فيحدث الوئام والتراحم والتعاطف والمحبة والبرّ بين الناس، فتعطى الحقوق وتؤدّى الأمانات.

هذه بعض الفوائد التي تؤديها زيارة القبور، لكن الذي نريد أن نبحثه في هذه المسألة هو مشروعية زيارة القبور ومدى صلتها بالعقيدة من خلال آراء ومواقف علماء المذاهب الإسلامية في هذا الحقل، لذا سيتوجه البحث عن هذه المشروعية ضمن عدة اُمور:


أولاً: المعنى اللغوي

الزيارة في اللغة: هي القصد والملاقات، و (زاره) (زيارةً) و (زوراً) بمعنى قصده، فهو زائر[المصباح المنير: 260، مادة (زور)].

والزور (الزائر) وهو الذي يزورك يقال: رجل زور، وفي الحديث أن لزورك عليك حقاً، وهو في الأصل مصدر وضع موضع الاسم، كصوم ونوم، بمعنى صائم ونائم[تاج العروس: 3/245 فصل الزاي باب الراء].

والتزوير: أن يكرم المَزورُ زائره ويعرف له حق زيارته[لسان العرب : 4/335، فصل الزاي عنوان زور].

والمزار موضع الزيارة.

والمفهوم العرفي للزيارة هو قصد المزور إكراماً له، واستئناساً به[المصباح المنير: 260، مادة (زور).].


ثانياً: الدليل القرآني على مشروعية زيارة القبور


لقد نهى الله سبحانه وتعالى نبيّه محمداً(صلى الله عليه وآله) عن الصلاة على جنازة المنافق والقيام على قبره بقوله تعالى: (ولا تصلّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون)[التوبة: 84].

ولسائل أن يسأل ما معنى: لا تقم على قبره؟ هل هو القيام وقت الدفن فقط أو القيام وقت الدفن وغيره ؟

والجواب: أن الآية تتشكل من جملتين:

الاُولى قوله: (لا تصلّ على أحد منهم مات أبداً) وقوله: (ولا تقم على قبره) هذه الجملة الثانية معطوفة على الجملة السابقة، وكل ما ثبت للمعطوف عليه يثبت للمعطوف أيضاً. وقد قيّد المعطوف عليه بقيد هو «أبداً». وهذا يستلزم أن يكون هذا القيد للمعطوف أيضاً. ويكون المعنى لا تقم على قبر أحد منهم أبداً، كما كان بالنسبة للصلاة.

ولفظة (أبداً) المقدرة في الجملة الثانية حينئذ تفيد امكانية تكرار هذا العمل، ويستنتج من ذلك أن القيام على القبر أيضاً لا يختص بوقت الدفن.

لكن قد يعترض أحد فيقول: إن لفظة (أبداً) المقدرة في الجملة الثانية معناها الاستغراق الافرادي.

والجواب: أن لفظة (أحد) للاستغراق الافرادي لا لفظة (أبداً) لأنها للاستغراق الأزماني .

فتحصل أن الله ينهي نبيّه(صلى الله عليه وآله) عن مطلق الاستغفار والترحّم على المنافق سواءً كان بعد الصلاة أو مطلق الدعاء، وينهى عن مطلق القيام على القبر سواءً كان زمن الدفن أو بعده .

ومفهوم ذلك هو أن هذين الأمرين، الصلاة والقيام على القبر، يجوزان في حق المؤمن، ولا يجوزان في حق المنافق.

وعليه يثبت جواز زيارة قبر المؤمن وجواز قراءة القرآن على روحه حتى بعد مئات السنين[ راجع زيارة القبور على ضوء الكتاب والسنة: 127].


ثالثاً: الدليل الروائي على مشروعية زيارة القبور


أما الروايات التي حثّت على زيارة القبور والدعاء لأهلها أو التقرب الى الله عن طريق الزيارة فهي على طائفتين:

الطائفة الاُولى:

1 ـ ما روي عن أبي هريرة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنه قال:

«ما من رجل يزور قبر حميمه فيسلّم عليه ويقعد عنده إلاّ ردّ عليه السلام وأنس به، حتّى يقوم من عنده»[البيان : 520 رواه الشيخ الديلمي، كنز العمال : 13/656، ح 42601].

2 ـ ما روي عن أبي هريرة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنه قال:

«ما من رجل يمر بقبر كان يعرفه في الدنيا فيسلّم عليه إلاّ عرفه وردّ عليه السلام»[تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر : 7/292 . ط بيروت].

3 ـ وعن أبي هريرة أيضاً:

أن النبي(صلى الله عليه وآله) أتى المقبرة، فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون»[السنن الكبرى للبيهقي : 4/131، ح 7207].

4 ـ وجاء عن بريدة أنه قال:

كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يعلمهم إذا خرجوا الى المقابر أن يقول قائلهم: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء الله بكم لا حقون، نسأل الله لنا ولكم العافية»[رواه مسلم في صحيحه: 3/65، كتاب الجنائز مع اختلاف يسير، سنن ابن ماجة، تحقيق د . بشار: 3/78 كتاب الجنائز باب 36، ح 1547، المنتقى من اخبار المصطفى: 2/116].

5 ـ وعن عائشة أن النبي(صلى الله عليه وآله) قال:

«أمرني ربي أن آتي البقيع فاستغفر لهم، قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال، قولي: (السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين يرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون»[صحيح مسلم: 3/64 باب ما يقال عند دخول القبور، والسنن للنسائي: 3/76].


الطائفة الثانية:
تشير هذه الطائفة الى ندبية زيارة القبور بعد النهي عنها بالاضافة الى ذكر علّتها وغرض الشارع من سنّه هذه العبادة.

1 ـ عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنه قال:

«كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهّد في الدنيا وتذكّر الآخرة»[سنن ابن ماجة: 1/114 أبواب الجنائز ].

2 ـ زار النبي(صلى الله عليه وآله) قبر اُمه فبكى وأبكى من حوله... ثمّ قال:

«استأذنت ربي في أن أزور قبرها، فأذن لي، فزوروا القبور فإنّها تذكّركم الموت»[صحيح مسلم: 3 / 65، باب استئذان النبي ربّه عزّ وجل في زيارة قبر اُمه].

3 ـ وروي أن عائشة قالت: إنّ رسول الله رخّص في زيارة القبور[صحيح أبي داود: 2 / كتاب الجنائز باب زيارة القبور: ح1955].

ويستفاد من هذه الطائفة أن النبي(صلى الله عليه وآله) كان قد نهى عن زيارة القبور نهياً مؤقتاً ثم رفع النهي وحبّذ زيارة القبور في ما بعد.

ويذكر أن العلّة في النهي المؤقت ترجع الى أن المسلمين كانوا حديثي عهد بالإسلام، فكانوا ينوحون على قبور موتاهم نياحة باطلة تخرجهم من نطاق الشريعة، ولما تركّز الإسلام في قلوبهم وأنسوا بالشريعة والأحكام الإسلامية، ألغى النبي(صلى الله عليه وآله)ذلك النهي عن زيارة القبور بأمر الله تعالى لما فيها من الآثار الحسنة والنتائج الطيبة[راجع زيارة القبور في الكتاب والسنة : 128].


رابعاً: الدليل التاريخي

إنّ المتتبع لسيرة المسلمين في الصدر الأوّل قبل وبعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله)سيجدها قائمة على زيارة القبور، وإليك جملة من الشواهد التاريخية على ذلك:

1 ـ أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر، فأخذ برقبته وقال: أتدري ما تصنع؟ قال: نعم، فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري(رضي الله عنه) ـ فقال: جئت رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولم آت الحجر، سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: « لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن أبكوا عليه إذا وليه غير أهله»[ رواه الحاكم في المستدرك: 4/515].

2 ـ إن فاطمة(عليها السلام) جاءت الى قبر النبي(صلى الله عليه وآله)فأخذت قبضة من تراب القبر فوضعته على عينيها وبكت[كشف الارتياب : 436 نقلاً عن تحفة ابن عساكر].

3 ـ إن أعرابياً جاء الى قبر النبي(صلى الله عليه وآله) وحثا من ترابه على رأسه، وخاطبه وقال: وكان في ما أنزل عليك: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك...) وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي، فنودي من القبر: قد غفر لك. وكان هذا بمحضر من علي أمير المؤمنين[وفاء الوفاء للسمهودي : 2/1361] .

4 ـ إنّ بلالاً أتى قبر النبي(صلى الله عليه وآله) وجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه فأقبل الحسن والحسين فجعل يضمهما ويقبلهما[اُسد الغابة : 1/208].

5 ـ روي عن عبدالله بن أبي مليكة إن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت: يا اُم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبدالرحمن، فقلت لها: أليس كان نهى رسول الله(صلى الله عليه وآله)عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، كان قد نهى عن زيارة القبور، ثم أمر بزيارتها[السنن الكبرى للبيهقي : 4/131، باب 170، ح 7207].

6 ـ ويستدل ابن تيمية على شرعية زيارة قبر أبي بكر وعمر بن الخطاب بزيارة ابن عمر لقبريهما، بقوله: السلام على أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب من جنس السلام على سائر القبور.

وكان ابن عمر يسلم على رسول الله(صلى الله عليه وآله) وعلى صاحبيه عند قدومه من السفر وكان يقول: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبه،ثم ينصرف. ومن ثم رأى من رأى من العلماء هذا جائزاً اقتداءً بالصحابة رضوان الله عليهم[تنبيه زائر المدينة: 27 نقلاً عن الجواب الباهر في زيارة المقابر لابن تيمية: 60].

إذاً من خلال الرؤية القرآنية والأحاديث الشريفة وسيرة المسلمين، تثبت مشروعية زيارة قبور المؤمنين بشكل عام.


خامساً: التوسل عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله)

ويمكن الاستدلال على شرعية زيارة القبور عن طريق مشروعية التوسل عند قبر النبي(صلى الله عليه وآله)باعتباره عبادة لا غبار عليها، وبإمكان الإنسان المسلم أن يتقرّب الى الله عن طريقها، وقد أكّدها القرآن الكريم في أكثر من آية، نذكر منها طلباً للاختصار قوله تعالى: (قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا)[يوسف: 97].

نجد أن أبناء يعقوب قد طلبوا المغفرة من يعقوب، لكن ليس بمعزل عن القدرة الإلهية، وإنّما جعلوا يعقوب واسطة في طلب المغفرة بسبب كونه مقرّباً عند الله وذا جاه عنده سبحانه.

وهذا واضح من خلال جواب يعقوب لأبنائه: (قال سوف استغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم)[يوسف: 98].

كما أكدت الأحاديث الشريفة أيضاً مشروعية التوسل .

فعن أنس بن مالك قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد دخل عليها رسول الله(صلى الله عليه وآله) فجلس عند رأسها فقال: رحمك الله يا اُمي بعد اُمي. وذكر ثناءه عليها وتكفينها ببرده، ثم دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله)اُسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود لحفر القبر، فحفروا قبرها، فلما بلغوا اللّحد، حفره رسول الله(صلى الله عليه وآله) بيده، وأخرج ترابه بيده، فلمّا فرغ دخل رسول الله(صلى الله عليه وآله)فاضطجع فيه، ثم قال: «الله الذي يُحيي ويُميت وهو حيّ لا يموت، اغفر لاُمّي فاطمة بنت أسد، ووسّع عليها مدخلها بحق نبيّك والأنبياء الذين قبلي»[كشف الارتياب: 312 نقلاً عن وفاء الوفاء، والدرر السنية: 8].

أما سيرة المسلمين في التوسل بعد رسول الله فقد كانت جارية، فنجد أبا بكر بعدما توفي رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: اذكرنا يا محمد عند ربّك ولنكن في بالك[الدرر السنية في الرد على الوهابية: 36].

وجاء في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبدالمطلب(رضي الله عنه) وقال: اللهم كنا نتوسل إليك بنبيّنا فتُسقينا، وأنّا نتوسل إليك بعم نبيّنا فاسقنا، قال: فيسقون[صحيح البخاري: باب صلاة الاستسقاء: 2/32 الحديث 947].

وسأل المنصور العباسي مالك بن أنس ـ إمام المالكية ـ عن كيفية زيارة رسول الله(صلى الله عليه وآله)والتوسل به.. فقال لمالك: يا أبا عبدالله أستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله؟ فقال مالك في جوابه:

لِمَ تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم الى يوم القيامة؟! بل استقبله واستشفع به فيشفعك الله، قال الله تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم...)[عن وفاء الوفاء : 2/1376].

فإذا كان التوسل من العبادات المشروعة وكان المسلمون يتوسلون بالرسول(صلى الله عليه وآله)والأنبياء والصالحين فالزيارة لقبره(صلى الله عليه وآله)تتضمن التوسل به، أو أن التوسل يتم بواسطة الزيارة لقبره الشريف احتذاءً بسيرة السلف الصالح.


سادساً: زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله)

تدعو الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة الى زيارة قبر الرسول(صلى الله عليه وآله)والسؤال عنده، بالإضافة الى إجماع عامة المسلمين خلفاً عن سلف من عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) الى يومنا هذا، ولا يوجد من ينكر زيارة قبر الرسول(صلى الله عليه وآله) إلاّ الوهابية.

فأمّا شهادة القرآن الكريم فقد قال تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً)[النساء: 64].

بهذه الآية يأمر القرآن الكريم المذنبين بأن يحضروا عند رسول الله ويسألوا منه أن يستغفر لهم; لأن دعاء النبي مستجاب فيهم.

ولم تكن هذه الآية خاصة بحياة النبي وفترة وجوده بين الناس بل نستخلص منها حكماً عاماً وشاملاً يتعدى حياة النبي(صلى الله عليه وآله). لأن القرآن الكريم يصرح بحياة الأنبياء والأولياء في الحياة البرزخية ويعتبرهم مبصرين وسامعين في ذلك العالم، بالإضافة الى ورود كثير من الأحاديث الشريفة التي تصرح بأن الملائكة تبلّغ خاتم الأنبياء(صلى الله عليه وآله) سلامَ من يسلّم عليه[راجع زيارة القبور في الكتاب والسنّة : 129 وما بعدها].

فقد جاء في الصحاح: أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: «ما من أحد يُسلّم عليَّ إلاّ ردّ الله عليَّ روحي حتى أردّ عليه السلام»[سنن أبي داود: 1 / 470 ـ 471 كتاب الحج باب زيارة القبور].

وجاء عنه أيضاً: «صلّوا عليَّ فإنَّ صلاتكم تبلغني حيث كنتم»[التاج الجامع للاُصول في أحاديث الرسول : 2/189].

ويروي أبو سعيد السمعاني عن الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام): إنّ أعرابياً جاء بعد ثلاثة أيام من دفن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فرمى بنفسه على القبر الشريف وحثا من ترابه على رأسه وقال: يا رسول الله قلت فسمعنا قولك، ووعيت عن الله ما وعينا عنك وكان فيما أنزله عليك: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم...) وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي الى ربي[الجوهر المنظم لابن حجر وذكره السمهودي في وفاء الوفاء: 2/612 ودحلان في الدرر السنية: 21].

من هنا يجوز للإنسان أن يقف عند قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله)بعد وفاته ويسأل منه أن يستغفر الله له، وبهذا يثبت جواز الزيارة لقبر الرسول(صلى الله عليه وآله) لأن حقيقتها تعني حضور الزائر عند المزور.

أمّا الأحاديث التي وردت في الصحاح حول زيارة قبر الرسول(صلى الله عليه وآله)فكثيرة جداً نقتصر على ذكر بعض منها:

1 ـ عن عبدالله بن عمر: أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال:

«من زار قبري وجبت له شفاعتي»[الفقه على المذاهب الأربعة: 1 / 590 وقد أفتى علماء المذاهب الأربعة وفقاً لهذا الحديث، راجع كتاب وفاء الوفاء: 4/1336].

2 ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله):

«من جائني زائراً (لا تحمِلُهُ) إلاّ زيارتي، كان حقاً عليَّ أن أكون شفيعاً له يوم القيامة»[راجع تقي الدين السبكي في شفاء السقام: 3 ـ 11. حول اسناد هذا الحديث ورواته. وكذلك السمهودي في وفاء الوفاء: 4/1340].

3 ـ وعن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنه قال:

«من حجّ ولم يزرني فقد جفاني»[وفاء الوفاء : 4/1342].

4 ـ وعن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنه قال:

«من حجّ فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي»[وفاء الوفاء : 4/1340].

الوهابية وزيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله)

استدل ابن تيمية ومن تبعه[كمحمد بن عبدالوهاب في الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية، روى الحديث في أكثر من صورة] في تطرّفه على حرمة زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله)بالحديث المنقول عن أبي هريرة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) .

«لا تُشدّ الرحال إلاّ الى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى»[صحيح مسلم: 4 / 126 كتاب الحج باب لا تشد الرحال. وذكره أبو داود في سننه: 1 / 469 كتاب الحج. والنسائي في سننه مع شرح السيوطي: 2/37 ـ 38].

وعلق ابن تيمية على هذا الحديث قائلاً: (هذا الحديث صحيح اتفق الأئمة على صحته والعمل به، فلو نذر الرجل أن يصلي بمسجد أو مشهد أو يعتكف فيه ويسافر إليه غير المساجد الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة)[ابن تيمية في الرد على الاخنائي: 27].

لا شك في وجود هذا الحديث في الصحاح ولسنا الآن في مقام المناقشة في سنده، بل مقصودنا هو مفاد الحديث.

ولنفترض أن نص الحديث هو: «لا تُشدُّ الرحال إلاّ الى ثلاثة مساجد...» فمن الثابت أن «إلاّ» هي أداة الاستثناء ولابد من وجود المستثنى منه، ويجب تحديده، وبما أنه مفقود في النص فلا بد من تقديره في الكلام.

وقبل الإشارة الى القرائن الموجودة يمكن تقدير المستثنى منه في صورتين:

1 ـ لا تُشدّ الرحال الى مسجد من المساجد إلاّ ثلاثة مساجد...

2 ـ لا تُشدّ الرحال الى مكان من الأمكنة إلاّ الى ثلاثة مساجد...

إن فهم الحديث والوقوف على معناه يتوقف على أحد هذين التقديرين.

فإن اخترنا التقدير الأول كان معنى الحديث عدم شد الرحال الى أيّ مسجد من المساجد سوى المساجد الثلاثة، ولا يعني عدم جواز شدّ الرحال الى أيّ مكان حتى لو لم يكن مسجداً.

فلا يشمل النهي مَن يشدّ الرحال لزيارة الأنبياء والأئمة الطاهرين والصالحين، لأن موضوع البحث هو شدّ الرحال الى المساجد ـ باستثناء المساجد الثلاثة المذكورة ـ وأمّا شدّ الرحال الى زيارة المشاهد المشرّفة فليس مشمولاً للنهي ولا داخلاً في موضوعه. هذا على التقدير الأول.

وأمّا على التقدير الثاني فلازمه أن تكون كافة السفرات المعنوية ـ ما عدا السفر الى المناطق الثلاث المذكورة ـ محرّمة، سواءً كان السفر من أجل زيارة المسجد أو زيارة مناطق اُخرى.

ولكن القرائن والدلائل تُشير الى أن التقدير الأول هو الصحيح، بناءً على صحة سند الحديث واعتباره.

أمّا القرائن على صحة التقدير الأوّل فهي كالآتي:

أولاً: لأن المساجد الثلاثة هي المستثناة، والاستثناء هنا متّصل ـ كما هو واضح ـ فلابدّ أن يكون المستثنى منه هو المساجد لا المكان[لو قال قائل: ما جاء إلاّ زيد، فالمستثنى منه ـ في هذه الجملة ـ هو: الإنسان أو القوم أو مشابه ذلك، وليس المستثنى منه كلمة عامة كالشيء والموجود، سواء كان إنساناً أو غيره].

ثانياً: لو كان الهدف هو منع كافة السفرات المعنويّة لما صحّ الحصر في هذا المقام، لأن الإنسان يشدّ الرحال في موسم الحجّ للسفر الى «عرفات» و «المشعر» و «منى» فلو كانت السفرات الدينية ـ لغير المساجد الثلاثة ـ محرّمة، فلماذا يُشدّ الرحال الى هذه المناطق؟! ألا يكون هذا شاهداً على أن الحديث بهذا النحو منحولٌ على النبي(صلى الله عليه وآله).

ثالثاً: لقد أشار القرآن الكريم والأحاديث الشريفة الى بعض الأسفار الدينية، وجاء التحريض عليها والترغيب فيها، كالسفر من أجل الجهاد في سبيل الله وطلب العلم وصلة الرحم وزيارة الوالدين وما شابه ذلك. فمن ذلك قوله تعالى:

(وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون)[التوبة: 122].

ولهذا فقد فسّر كبار الباحثين والمحققين الحديث المذكور بما أشرنا إليه.

قال الغزالي ـ في كتابه إحياء العلوم ـ وهو: أن يسافر لأجل العبادة إمّا لحجّ أوجهاد.. ويدخل في جملته: زيارة قبور الأنبياء(عليهم السلام)، وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والأولياء. وكلّ من يُتبرّك بمشاهدته في حياته يُتبرّك بزيارته بعد وفاته، ويجوز شدّ الرحال لهذا الغرض، ولا يمنع من هذا قوله(صلى الله عليه وآله): «لا تُشدّ الرحال إلاّ الى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى» لأن ذلك في المساجد، فإنها متماثلة ] في الفضيلة[ بعد هذه المساجد، وإلاّ فلا فرق بين زيارة قبور الأنبياء والأولياء والعلماء في أصل الفضل، وإن كان يتفاوت في الدرجات تفاوتاً عظيماً بحسب اختلاف درجاتهم عند الله[كتاب إحياء علوم الدين للغزالي: 2/ 247، كتاب آداب السفر، طبعة دار المعرفة بيروت، الفتاوى الكبرى: 2/24].

من هنا.. فإن المنهيَّ عنه ـ في هذا الحديث ـ هو شدّ الرحال الى غير المساجد الثلاثة، من المساجد الاُخرى، ولا علاقة له بالسفر الى المساجد أو البقاع المباركة للزيارة أو لأهداف معنويّة اُخرى.

ويدلّ عليه ما رواه أصحاب الصحاح والسُنن أن رسول الله(صلى الله عليه وآله)كان يأتي مسجد قُبا راكباً وماشياً فيصلّي فيه ركعتين[صحيح مسلم: 4/127، وراجع في هذا المعنى صحيح البخاري: 2/76، السُنن للنسائي المطبوع مع شرح السيوطي: 2/37].

ولنا أن نتساءل: كيف يمكن أن يكون شدّ الرحال وقطع المسافات من أجل إقامة الصلاة ـ مخلصاً لله ـ في بيت من بيوته سبحانه حراماً ومنهيّاً عنه؟!!

وإذا كانت الصلاة في المسجد مستحبّة فإن مقدمة المستحبّ مستحبّة أيضاً[راجع الوهابية في الميزان : 148 ـ 152].

ومن هنا لا يلتزم الوهابيون بتحريم زيارة قبر الرسول(صلى الله عليه وآله)بقول مطلق; بل نجدهم يعترفون بأصل الزيارة ومشروعيتها، إلاّ أن السفر لأجلها يعدّونه حراماً.

قال محمد بن عبدالوهاب:

تُسن زيارة النبي(صلى الله عليه وآله) إلاّ أنه لا يُشدّ الرحال إلاّ لزيارة المسجد والصلاة فيه[الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية لمحمد بن عبدالوهاب].

أما ابن تيمية فيقول: وأما قبور الأنبياء والصالحين فلا يستحب إتيانها للصلاة عندها والدعاء عند أحد من أئمة الدين، بل ذلك منهي عنه في الأحاديث الصحيحة، كما ذكر غير واحد من العلماء، ولكن يجوز أن تزار القبور للدعاء لها، كما كان النبي(صلى الله عليه وآله)يزور أهل البقيع[ابن تيمية في الرد على الاخنائي، والفتاوى الكبرى لابن تيمية: 1/118 ـ 122].

ويقسّم ابن تيمية الزيارة الى قبر الرسول(صلى الله عليه وآله) من حيث نية المسافر وقصده، الى ثلاثة أنحاء:

1 ـ سفر يقصد منه الصلاة في مسجد النبي(صلى الله عليه وآله) فهذا مشروع بالنص والإجماع.

2 ـ سفر يقصد منه السفر الى مسجده وقبره(صلى الله عليه وآله) فهذا قد قصد مستحباً مشروعاً بالإجماع.

3 ـ سفر لا يقصد منه إلاّ القبر فهذا مورد النزاع، فمالك والأكثرون يحرّمون هذا السفر، وكثير من الذين يحرّمونه لا يجوّزون قصر الصلاة فيه، وآخرون يجعلونه سفراً جائزاً وإن كان غير مستحب ولا واجب النذر[ابن تيمية في الرد على الاخنائي: 16].

وبهذا الصدد نجد الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء يرد على ابن تيمية بما نصّه:

« فمن وقف عند الحجرة المقدسة ذليلاً مسلّماً، مصلّياً على نبيّه، فيا طوبى له، فقد أحسن الزيارة، وأجمل في التذلّل والحب، وقد أتى بعبادة زائدة على من صلى عليه في أرضه أو في صلاته، إذ الزائر له أجر الزيارة وأجر الصلاة عليه، والمصلي عليه في سائر البلاد له أجر الصلاة فقط. فمن صلّى عليه واحدة صلى الله عليه عشراً.

ولكن من زاره ـ صلوات الله عليه ـ وأساء أدب الزيارة، أو سجد للقبر أو فعل ما لا يُشرع، فهذا فَعل حَسَناً وسيئاً فيُعلّم برفق والله غفور رحيم، فوالله ما يحصل الانزعاج لمسلم، والصياح وتقبيل الجدران، وكثرة البكاء، إلاّ وهو محبٌّ لله ولرسوله، فحبّه المعيار والفارق بين أهل الجنة وأهل النار.

فزيارة قبره(صلى الله عليه وآله) من أفضل القُرب ـ وشد الرحال الى قبور الأنبياء والأولياء ـ لئن سلمنا أنه غير مأذون فيه لعموم قوله صلوات الله عليه «لا تشدّوا الرحال إلاّ الى ثلاثة مساجد...» ـ فشدّ الرحال الى قبر نبيّنا(صلى الله عليه وآله)مستلزم لشد الرحل الى مسجده، وذلك مشروع بلا نزاع، إذ لا وصول الى حجرته إلاّ بعد الدخول الى مسجده، فليبدأ بتحية المسجد ثم بتحية صاحب المسجد رزقنا الله وإيّاكم ذلك آمين»[سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي: 4/484].

وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط معلّقاً على كلمة الذهبي هذه في سير أعلام النبلاء ما نصّه:

«قصد المؤلف(رحمه الله) بهذا الاستطراد الردّ على شيخه ابن تيمية الذي يقول بعدم جواز شد الرحال لزيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله)ويرى أنّ على الحاج أن ينوي زيارة المسجد كما هو مبيّن في محله»[البشارة والاتحاف بما بين ابن تيمية والالباني في العقيدة من الاختلاف لحسن بن علي السقاف : 55].


سابعاً: الإجماع على جواز زيارة القبور وقبر النبي(صلى الله عليه وآله)

قد أجمع المسلمون قولاً وعملاً على زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله)بل استحباب زيارة قبور الأنبياء والصالحين وسائر المؤمنين، ومشروعيتها ملحق بالضروريات عند المسلمين، فضلاً عن الاجماع وسيرتهم القائمة عليها.

قال السمهودي نقلاً عن السبكي: قال عياض: زيارة قبره(صلى الله عليه وآله)سنّة بين المسلمين. مجمع عليها، وفضيلة مرغوب فيها[الشفا للقاضي عياض : 2/83].

قال السبكي: وأجمع العلماء على استحباب زيارة القبور للرجال كما حكاه النووي، بل قال بعض الظاهرية بوجوبها واختلفوا في النساء، وامتاز القبر الشريف بالأدلة الخاصة به، لهذا أقول: إنه لا فرق بين الرجال والنساء[شفاء السقام للسبكي : 69، 70، ط استانبول 1318 هـ ].


أقوال العلماء في جواز زيارة القبور:

وإليك جملة من أقوال العلماء الناصّة على جواز زيارة القبور بل استحبابها عند عامة العلماء:

1 ـ قال الإمام أبو عبدالله محمد بن ادريس الشافعي: ولا بأس بزيارة القبور، ولكن لا يقال عندها هجر، وذلك مثل الدعاء بالويل والثبور والنياحة، فإذا زرت فاستغفر للميت ويرقّ قلبك[معرفة السنن والآثار للشافعي : 3/203، باب زيارة القبور ].

2 ـ يقول الحاكم: قد استقصيت في الحث على زيارة القبور تحرياً للمشاركة في الترغيب، وليعلم الشحيح بذنبه أنها سنّة مسنونة[مستدرك الحاكم: 1/377].

3 ـ قال الشيخ زين الدين الشهير (بابن نجيم المصري): ولا بأس بزيارة القبور والدعاء للأموات، وصرح في المجتبى، بأنها مندوبة وقيل: تحرم على النساء، والأصح أن الرخصة ثابتة لهما[ البحر الرائق في شرح كنز الدقائق: 2/195].

4 ـ قال منصور علي ناصف: الأمر في زيارة القبور للندب عند الجمهور[التاج للجامع للاُصول: 1/381].

5 ـ قال ابن حزم: وتستحب زيارة القبور، وهو فرض ولو مرة، وقد صح عن اُم المؤمنين وابن عمر وغيرهما زيارة القبور، وروي عن عمر النهي عن ذلك ولم يصح[المحلى: 5/160 المسألة 600].

6 ـ قال أبو حامد الغزالي: زيارة القبور مستحبة على الجملة للتذكّر والاعتبار، وزيارة قبور الصالحين مستحبة لأجل التبرك مع الاعتبار[احياء العلوم: 4/521].

7 ـ قال عبدالرحمن الجزيري: زيارة القبور مندوبة للاتّعاظ وتذكّر الآخرة وتتأكد يوم الجمعة ويوماً قبلها ويوماً بعدها عند الحنفية والمالكية، وخالف الحنابلة والشافعية ذلك:

الحنابلة قالوا: لا تتأكد الزيارة في يوم دون يوم.

الشافعية قالوا: تتأكد من عصر يوم الخميس الى طلوع شمس يوم السبت، ولهذا قول راجح عند المالكية[الفقه على المذاهب الأربعة: 1/540 خاتمة في زيارة القبور].

8 ـ مذهب أهل البيت(عليهم السلام):يتأكد استحباب ذلك ]زيارة القبور [يوم الاثنين وغداة السبت، تأسياً بالنبي(صلى الله عليه وآله)[ جواهر الكلام : 4/321 كتاب الطهارة، استحباب زيارة القبور] فإنه كان يخرج في ملأ من الناس من أصحابه كل عشية خميس الى بقيع المدنيين، فيقول: «السلام عليكم يا أهل الديار ثلاثاً رحمكم الله ثلاثاً»[وسائل الشيعة للحر العاملي : 3/223 ح 3467].

أما كيف يزور الشيعة مقابر أئمتهم ؟ وهل الزيارة للأئمة تؤدي الى سوء الأدب المخالف للدين ؟ أو أنها تنمّي روح الشرك ـ معاذ الله ـ به سبحانه ؟

توجد نماذج متعددة من الزيارات التي ورثها الشيعة الإمامية عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، والتي يُراعى فيها المناسبة والشخص الذي يُزار.

والملاحظ لتلك النماذج من الزيارات والمعتمدة منها بشكل خاص سيجدها أنها ذات قيمة في تنمية الاعتقاد بالتوحيد وتأصيله في عقل ونفس الزائر، كما أنها عبادة تساهم في تنمية روح الايمان بالله سبحانه والانشداد إليه تعالى.

وإليك نموذجاً واحداً من تلك الزيارات; وهي الزيارة المعروفة (بزيارة أمين الله) وهي زياره حافلة بقوة المعنى وسلامة الفكرة ولغة التوحيد ومحاكات القلب وتحريك المشاعر، وأنها لوحة خالدة يعتز بها الشيعة الإمامية ويحفظونها عن ظهر قلب، لما تحمله تلك الزيارة من قيمة في ربط المسلم بالله وبأوليائه سبحانه.

لذا يعتبرها صاحب (مفاتيح الجنان) من الزيارات التي هي في غاية الاعتبار، أما المجلسي صاحب كتاب (بحار الأنوار) فيقول: إنها من أحسن الزيارات سنداً ومتناً، وهي مروية عن جابر عن الإمام الباقر(عليه السلام) وقد زار الإمام زين العابدين بها جده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)[راجع كتاب مفاتيح الجنان المعرب : 350]. وإليك نص الزيارة:

«السلام عليك يا أمين الله في أرضه وحجته على عباده ]السلام عليك يا أمير المؤمنين [أشهد أنّك جاهدت في الله حق جهاده، وعملت بكتابه واتّبعت سُنن نبيّه صلى الله عليه وآله حتى دعاك الله الى جواره فقبضك إليه باختياره وألزم أعداءك الحجة مع ما لك من الحُجج البالغة على جميع خلقه.

اللهم فاجعل نفسي مطمئنة بقدرك، راضية بقضائك، مُولعة بذكرك ودعائك، محبة لصفوة أوليائك، محبوبة في أرضك وسمائك، صابرة على نزول بلائك، شاكرة لفواضل نعمائك، ذاكرة لسوابغ آلائك، مشتاقة الى فرحة لقائك، متزوّدة التقوى ليوم جزائك، مُستنّة بسنن أوليائك، مفارقة لأخلاق أعدائك، مشغولة عن الدنيا بحمدك وثنائك .

اللهم إن قلوب المخبتين إليك والهة، وسبل الراغبين إليك شارعة، وأعلام القاصدين إليك واضحة، وأفئدة العارفين منك فازعة، وأصوات الداعين إليك صاعدة، وأبواب الإجابة لهم مُفتحة، ودعوة من ناجاك مستجابة، وتوبة من أناب إليك مقبولة، وعبرة من بكى من خوفك مرحومة، والإغاثة لمن استغاث بك موجودة، والإعانة لمن استعان بك مبذولة، وعداتك لعبادك منجزة، وزلل من استقالك مقالة، وأعمال العاملين لديك محفوظة، وأرزاقك الى الخلائق من لدنك نازلة، وعوائد المزيد إليهم واصلة، وذنوب المستغفرين مغفورة، وحوائج خلقك عندك مقضية، وجوائز السائلين عندك موفّرة، وعوائد المزيد متواترة، وموائد المستطعمين مُعدة، ومناهل الظِّماءِ مترعة.

اللّهم فاستجب دعائي واقبل ثنائي واجمع بيني وبين أوليائي بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، إنك ولي نعمائي ومنتهى مُناي، وغاية رجائي في منقلبي ومثواي .

وقد ذُيّلت في كتاب كامل الزيارات بما يلي:

«أنت إلهي وسيدي ومولاي، اغفر لأوليائنا، وكفّ عنّا أعداءنا واشغلهم عن أذانا، وأظهر كلمة الحق واجعلها العُليا، وادحض كلمة الباطل واجعلها السفلى، إنك على كلّ شيء قدير.


خلاصة البحث

إن ظاهرة زيارة القبور لم تقتصر على المجتمع الديني، بل تشمل كل المجتمعات. والشريعة المقدسة قد أقرّتها بل اهتمّت بها. والثابت عن الرسول أنه(صلى الله عليه وآله)كان يزور قبور الموتى كقبر اُمه وقبور الموتى في البقيع .

أما سيرة المسلمين فقد كانت مستمرة على زيارة قبور الموتى من الأنبياء والصالحين من حياة رسول الله وبعد وفاته وحتى يومنا هذا.

ثم إن زيارة قبر الرسول(صلى الله عليه وآله) فالثابت شرعيتها بالأدلة القرآنية والأحاديث الشريفة، وأنها لا تختص بحياة الرسول ولا بالدعاء له بل تمتد الى بعد وفاته ثم سؤاله بشتى الدعوات. ولا يستقيم قول ابن تيمية في تحريمه زيارة قبر الرسول(صلى الله عليه وآله)، لمخالفته القرآن الكريم والأحاديث النبوية وسيرة المسلمين وإجماع العلماء على استحبابه

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2009, 05:42 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
حيدر الكربلائي
الدم الأحمر تفجر
الطويرجاوےِ

 
الصورة الرمزية حيدر الكربلائي
 
وسام الإدارة ADMIN3 وسام الوفاء 
مجموع الاوسمة: 3 (أكثر» ...)
إحصائية العضو









حيدر الكربلائي غير متواجد حالياً

 

 

 

افتراضي


البكاء على موتى المؤمنين
فكرة عامّة حول البكاء

البكاء تعبير عن حاجة إنسانية يلجأ إليها الإنسان بطبيعته ، عندما تكتنفه صعوبات الحياة وآلامها، فلا يملك إزاءها حولاً ولا قوة تعينه على الفرار منها خصوصاً في اللحظات الحرجة فيتنفس عبر البكاء، أو عندما يفاجأ بفقدان حبيب أو خسارة مادية أو معنوية، فيختل توازنه النفسي فيندفع تلقائياً وبلا شعور فيستفرغ احتصاره وكبته عن طريق البكاء، وهذه الحاجة لا تختص بعقيدة دون اُخرى، لأن منشأ البكاء نفسي وفطري.

فإذا كان البكاء فطرياً يلجأ إليه الإنسان عند الاختناق والهلع النفسي، فيكون أداة لتفريغ الهموم والصدمات النفسية ; فهل يا ترى للبكاء فوائد اُخرى يتضمنها ، أم يقتصر على هذا الحد؟

أوّلاً: لا يخلو البكاء من فوائد كثيرة منها الصحية والنفسية والسياسية ، نذكر فيما يلي قسماً منها على سبيل الاختصار.

أ ـ إن البكاء يمثل منهجاً لتزكية النفس من الأدران والذنوب، خصوصاً عندما يكون بدافع الندم والتوبة.

ب ـ إن البكاء يرفع الإنسان الى درجة التحسس بآلام المحرومين والمظلومين في الأرض، لأن البكاء يوقظ الضمير وينبّه الوجدان، في حالة الاعتراف بالتقصير أمام الله والخشية منه.

ج ـ البكاء يعالج قسوة القلب المذمومة في الشريعة، مثل الطبع على القلب والختم عليه.

قال تعالى: (ثمّ قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة)[1].

وقال تعالى: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين اُوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون)[2].

د ـ إن البكاء له بُعد سياسي، لأنه الطريق الأفضل لرفع الظلم واستنكار ممارسات الظالمين في الظرف الذي لا يسمح بالمواجهة، وعندما يشعر الإنسان بأنه لا يقدر على فعل شيء فيكون البكاء تعبيراً عن الرفض والمعارضة.

ثانياً: ذكروا أن للبكاء الذي يلجأ إليه الإنسان ذاتياً دوافع، فقد يبكي الإنسان عندما يُفاجأ بخبر مفرح لم يتوقع تحققه إطلاقاً، كما يبكي الإنسان عندما يتعرض لحزن شديد، أو لفزع ، أو لمداهمة من غريب، أو وجع مؤلم، أو رياء، أو شكر، أو بكاء من خشية الله.

ثالثاً: والبكاء من الناحية الشرعية له عدة أقسام:

أ ـ البكاء من خشية الله:

فقد جاء في الحثّ على هذا القسم عدد من الآيات والروايات نذكر منها:

1 ـ قوله تعالى: (إن الذين اُوتوا العلمَ من قبله إذا يُتلى عليهم يخرّون للأذقان سُجّداً * ويقولون سبحان ربّنا إن كان وعدُ ربّنا لمفعولاً * ويخرّون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً)[3].

2 ـ قوله تعالى: (اولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرّية آدم وممّن حملنا مع نوح ومن ذريّة إبراهيم وإسرائيل وممّن هدينا واجتبينا إذا تُتلى علهيم آيات الرحمن خرّوا سُجداً وبكياً)[4].

3 ـ وحثّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) على البكاء فقال: «لا ترى النار عينٌ بكت من خشية الله ولا عين سهرت في سبيل الله»[5].

4 ـ وجاء عنه(صلى الله عليه وآله) «ما من قطرة أحب الى الله من قطرة دم في سبيل الله وقطرة دموع قطرت من عين رجل في جوف الليل من خشية الله»[الرقة والبكاء لابن أبي الدنيا: 52].

ولما كان البكاء مطلوباً ومحبوباً عند الله سبحانه; فقد نجد الأنبياء(عليهم السلام) قد بكوا في مواطن متعددة.

5 ـ بكى آدم على خطيئته مائة سنة، وما رفع رأسه الى السماء بعد ذلك حياءً من ربه[الرقة والبكاء لابن أبي الدنيا : 241 / ح 315].

وقيل بأن نوحاً النبيّ(عليه السلام) إنما سُمّي نوحاً لأنه كان نوّاحاً[حلية الأولياء : 3/51].

6 ـ أما كثرة البكاء عند النبي داود(عليه السلام) فنسبتها «لو عدل بكاء داود بكاء أهل الأرض بعد آدم، لعدل بكاء داود بكاء أهل الأرض»[الرقة والبكاء : 268 ، كما أورده الإمام أحمد في كتاب الزهد: 1/85 ـ 86 وتفسير الطبري: 23/96].

7 ـ وأما المثل الذي ضربه النبيّ يحيى في البكاء فهو كما قيل: «كان يحيى بن زكريا له خطّان في خديه من البكاء، فقال له أبوه زكريا: إنما سألت الله ولداً تقرُّ به عيني. فقال: يا أَبَه ! إن جبرئيل أخبرني أن بين الجنة والنار مفازة لا يقطعها إلاّ كُلّ بكّاء»[أورده الثعلبي في عرائس المجالس: 377].

ب: البكاء أثناء العبادات:

منها البكاء عند قراءة القرآن والبكاء عند الصلاة والبكاء عند الدعاء.

ج: البكاء عند فقدان الأحبّة والشهداء والصُلحاء والمؤمنين.

والبكاء على موتى المؤمنين هو أحد الموارد المشروعة التي ندبت إليها الشريعة ولا يمكن تجزئته عن أنواع البكاء الاُخرى، لكن البعض ذهب الى حرمته وعدم جوازه محتجاً ببعض الروايات التي لم يثبت صدورها عن رسول الله أو أنها حملت على الحرمة.

من هنا سوف نتناول هذه المسألة ضمن عدد من المباحث في منشأ الخلاف في حرمة البكاء، وفي سيرة الرسول(صلى الله عليه وآله)وبكائه على موتى المؤمنين، وفي سيرة المسلمين قبل وفاة الرسول وبعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله). وما ورد عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في البكاء، ثم أحكام البكاء عند الإمامية وأدلتها الشرعية لندرك بعد ذلك الطريق الصحيح الذي ينسجم مع اُصول الشريعة الغرّاء.


المبحث الأوّل

منشأ الخلاف في حرمة البكاء على موتى المؤمنين

إنّ منشأ الخلاف في مسألة حرمة البكاءعلى موتى المؤمنين يرجع لرواية عمر بن الخطاب وابنه عبدالله ، عن النبي(صلى الله عليه وآله) ، أنه قال: «إن الميت يعذّب ببكاء أهله عليه».

وقد نقلت هذه الرواية بعدة ألفاظ منها ببعض بكاء أهله عليه، ومنها ببكاء الحيّ عليه، ومنها يعذّب في قبره بما نيح عليه.

ولا عبرة باختلاف الألفاظ لأن هذه الروايات كلهامن رواية عمر بن الخطاب وابنه عبدالله[الامام النووي في شرح صحيح مسلم: 6/228 كتاب الجنائز، وجامع الاُصول: 11/97].

ووقف الصحابة من هذه الرواية موقف المعارض ونعتوا راويها بالخطأ أو النسيان، لأنها تعارض القرآن الكريم وأن رسول لله(صلى الله عليه وآله) لم يقل ذلك، وإنّما قال: «إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه» إلى غير ذلك من الردود.


موقف عائشة من الرواية ومن حرمة البكاء
عن ابن أبي مليكة قال: (توفيت بنت لعثمان بن عفان بمكة فجئنا نشهدها، وحضرها ابن عمر وابن عباس، وأني لجالس بينهما، فقال عبدالله بن عمر لعمرو بن عثمان ـ وهو مواجهه ـ : ألا تنهى عن البكاء؟! فإن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: إن الميّت ليعذّب ببكاء أهله عليه؟!).

فقال ابن عباس: قد كان عمر يقول بعض ذلك، ثم حدّث فقال: صدرت مع عمر من مكة حتى إذا كنا بالبيداء، فإذا هو بركب تحت ظل شجرة، فقال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ فنظرت، فإذا هو صهيب قال: فأخبرته، فقال: اُدعه، فرجعت إلى صهيب، فقلت: ارتحل، فالحقْ بأمير المؤمنين، فلما أن اُصيب عمر: دخل صهيب يبكي، يقول: وا أخاه، واصاحباه! فقال عمر: يا صهيب، أتبكي عليّ وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): إن الميت ليعذّب ببعض بكاء أهله عليه؟

فقال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة، فقالت: يرحم الله عمر، لا والله ما حدّث رسول الله(صلى الله عليه وآله): إن الميّت يُعذّب ببكاء أهله عليه، ولكن قال: إن الله يزيد الكافر ببكاء أهله عليه.

وقالت عائشة: حسبكم القرآن: (ألاّ تَزِرُ وازرة وزِر اُخرى).

قال ابن عباس عند ذلك: والله أضحك وأبكى.

قال ابن أبي مليكة: فما قال ابن عمر شيئاً[جامع الاُصول لابن الاثير: 11/92].

وفي رواية قال ابن أبي مليكة: ذكرت الحديث لعائشة فقالت: أما والله ما تُحدّثون هذا الحديث عن كاذبين مكذّبين، ولكن السمع يخطئ وإنّ لكم في القرآن لَمَا يُشفيكمألاّ تزر وازرة وزر اُخرى)[النجم : 38]ولكن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه[ صحيح البخاري: 3/127 وصحيح مسلم رقم 928 في الجنائز باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، والنسائي: 4/18 و 19 في الجنائز].

وعن عمرة بنت عبدالرحمن قالت: سمعت عائشة (رضي الله عنه) وذُكر لها أن عبدالله بن عمر يقول: «إن الميت ليعذّب ببكاء الحي عليه» نقول يغفر الله لأبي عبدالرحمن، أما أنه لم يكذب ولكنه نسي أو خطأ، وإنما مرّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) على يهودية يُبكى عليها، فقال: «إنه ليُبكى عليها، وأنها لتُعَذّب في قبرها» أخرجه الجماعة إلاّ أبا داود»[جامع الاُصول لابن الأثير: 11/94قال الشافعي: وعمر احفظ عن عائشة من أبي مليكة: معرفة السنن للشافعي 3/202].

وفي رواية قالت: يرحمه الله، لم يكذب ولكنّه وهم، إنما قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) لرجل مات يهودياً: إنّ الميت ليعذبّ وإنهم ليبكون عليه.

وكانت عائشة مع عمر في هذه المسألة على طرفيّ نقيض فقد ناحت على أبيها يوم وفاته خلافاً لنهي عمر.

وعن سعيد بن المسيب أنه قال: لما توفي أبو بكر أقامت عليه عائشة النوح، فأقبل عمر بن الخطاب حتى قام ببابها، فنهاههن عن البكاء عليه فأبين أن ينتهين، فقال عمر لهشام بن الوليد: اُدخل فأخرج اليَّ ابنة أبي قحافة، فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر: إني اُحرّج عليك بيتي. فقال عمر لهشام: اُدخل فقد أذنت لك، فدخل هشام فأخرج اُم فروة اُخت أبي بكر إلى عمر، فعلاها بالدرة فضربها ضربات فتفرق النوح حين سمعوا ذلك[تاريخ الطبري: 2 / 349، حوادث سنة 13].


موقف ابن عباس
اتّضح موقف ابن عباس في مسألة البكاء على موتى المؤمنين ومعارضته لرواية عمر بقوله السابق الذكر[جامع الاُصول لابن الأثير: 11/92].


موقف أبي هريرة
أما أبو هريرة، فقد قال: (مات ميت من آل رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فاجتمع النساء يبكين عليه، فقام عمر ينهاهن ويطردهنّ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «دعهنّ يا عُمر، فإن العين دامعة، والقلب مصاب، والعهد قريب»[سنن النسائي: 4/19، سنن ابن ماجة: 1/505، باب ما جاء في البكاء، ح 1587، السنن الكبرى للبيهقي: 4/117، باب مَن رخص في البكاء، ح 7159].


تعارض روايات تحريم البكاء مع روايات جوازه


ورد عدد من الروايات التي اُدّعي أنّها تدلّ على نهي النبي(صلى الله عليه وآله)عن البكاء، فمع قطع النظر عن ضعفها وعدم صلاحيتها للتعارض، تبقى لا تنهض بدليلها حتى لو سلّمنا فرض صحتها، لأنّها بطبيعة الحال تتعارض مع الروايات القائلة بجواز البكاء، وكونه من سيرة رسول الله(صلى الله عليه وآله)على من رآه مشرفاً على الموت وعلى من توفي شهيداً، أو غير شهيد وعلى قبر المتوفى.

وأن استدراك عائشة، وأقوال الصحابة من كون روايات النهي محصورة بالخليفة الثاني وابنه عبدالله، وأنها ناشئة من الخطأ والنسيان، وأن رسول الله لم ينهَ عن البكاء ، يجعلنا أن نعرض عن روايات النهي ونتمسك بسيرة رسول الله(صلى الله عليه وآله) القائمة على جواز البكاء.


تعارض مضمون روايات تحريم البكاء مع مفاهيم القرآن الكريم


والذي يلاحظ مضمون روايات تحريم البكاء، يجد أن هذه الروايات تنسب العقوبة لغير فاعل الذنب، وهي بذلك تخالف نصوص القرآن الكريم ، التي لا تحمل الذنب إلاّ على فاعله.

قال تعالى: (ألاّ تزر وازرة وزر اُخرى)[ النجم: 38].

الوزر: هنا بمعنى الإثم والذنب المُثقل للظهر، والوازرة النفس المذنبة التي تذنب. والمراد: لا يحمل أحد من المذنبين ذنب غيره[جامع الاُصول لابن الأثير: 11/93].

وقال تعالى: (وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى)[النجم: 39].

وقال تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره* ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)[الزلزلة: 7 ـ 8].

وقال تعالى: (لتجزى كل نفس بما تسعى)[طه: 15].

وقبل أن نختتم البحث نذكر بأن هناك روايات استدلّ بها البعض على جواز البكاء قبل الموت لا بعده، جاءت بألفاظ متقاربة في معناها من كون البكاء محرماً بعد الموت .

منها: ما جاء عن عبدالله بن عمير، عن جَبْر: (أنه دخل مع النبي(صلى الله عليه وآله)على ميت فبكى النساء، فقال جبرٌ: أتبكين؟ لا تبكين ما دام رسول الله(صلى الله عليه وآله)جالساً .

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «دعهن يبكين ما دام بينهن، فإذا وجب فلا تبكينَّ عليه باكية»[الموطأ: 1/233 وأبو داود رقم 3111 وراجع الأحاديث بهذا المعنى، جامع الاُصول لابن الأثير: 11/100 ـ 101 والنسائي: 4/13 و 14].

ويحمل هذا الحديث على رفع الصوت عالياً وخمش الوجوه، لأن النبي(صلى الله عليه وآله)لما بكى وقال عبدالرحمن: أولم تكن نهيت عن البكاء؟ قال: «لا ولكن نهيت عن صوتين فاجرين: صوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب، ورنّة شيطان»[الجامع الصحيح: 3/328 ح 1055].


المبحث الثاني
بكاء الرسول والأنبياء(عليهم السلام) على موتى المؤمنين

1 ـ لقد بكى النبي(صلى الله عليه وآله) على عمّه حمزة وحث المسلمين على البكاء عليه.

قال ابن سعد: (لما سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعد غزوة اُحد البكاء من دور الأنصار على قتلاهم، ذرفت عينا رسول الله(صلى الله عليه وآله) وبكى وقال: «لكن حمزة لا بواكي له» فسمع ذلك سعد بن معاذ فرجع الى نساء بني عبدالأشهل فساقهنّ فدعا لهن. فلم تبك امرأة من الأنصار بعد ذلك الى اليوم على ميت إلاّ بدأت بالبكاء على حمزة، ثم بكت على ميّتها)[طبقات ابن سعد: 3/11 ومغازي الواقدي: 1/315 ـ 317 وامتاع الاسماع: 1/163 ومسند أحمد: 2/ 129 ، ح 4964 وتاريخ الطبري: 2 / 211 وسيرة ابن هشام: 3/99].

ولم يتضمن هذا الحديث فعل النبي(صلى الله عليه وآله) فحسب، وإنما يتضمن تقريره وأمره بالبكاء أيضاً، كما يكتشف منه بأن البكاء على موتى المؤمنين في عصر الرسالة، قد شكّل ظاهرة تعاطاها المسلمون آنذاك.

2 ـ لما اُصيب جعفر وأصحابه في غزوة مؤتة دخل رسول الله(صلى الله عليه وآله)بيته، وطلب بني جعفر، فشمّهم ودمعت عيناه، فقالت زوجته أسماء: بأبي واُمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: نعم اُصيبوا هذا اليوم. فقالت أسماء: فقمتُ أصيح وأجمع النساء، ودخلت فاطمة وهي تبكي وتقول: وا عمّاه ! فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : على مثل جعفر فلتبكِ البواكي»[الاستيعاب : 1/313، اُسد الغابة: 1/241، الإصابة: 2/238 . ترجمة جعفر بن أبي طالب ، الكامل في التاريخ : 2/420].

ولا ريب أن هذا الحديث قد تضمّن بكاء النبي(صلى الله عليه وآله) بل وقوله: «على مثل جعفر فلتبك البواكي» وتقريره لبكاء أسماء، وكلها دلائل واضحة على مشروعية البكاء على موتى المؤمنين والشهداء.

3 ـ وبكى الرسول(صلى الله عليه وآله) على الشهداء في الغزوة المذكورة.

كما جاء في صحيح البخاري : أن النبي نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، وقال:

«أخذ الراية زيد، فاُصيب، ثم أخذ جعفر فاُصيب، ثم أخذ ابن رواحة فاُصيب»، وعيناه تذرفان...[صحيح البخاري 2/204 والبداية والنهاية لابن كثير : 4/280 ، والسنن الكبرى للبيهقي : 4/70 وأنساب الأشراف: 2/43، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 15/73].

4 ـ وبكى النبي(صلى الله عليه وآله) على إبنه إبراهيم.

قال أنس : (دخلنا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله)... وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلتْ عينا رسول الله تذرفان، فقال له عبدالرحمن بن عوف(رضي الله عنه) : وأنت يا رسول الله؟! فقال: «يابن عوف، إنها رحمة» ثمّ أتبعها باُخرى فقال(صلى الله عليه وآله): «إنّ العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلاّ ما يرضي ربّنا وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»[صحيح مسلم : 4/1808 كتاب الفضائل باب رحمته بالصبيان والعيال، سنن أبي داود: 3/193 كتاب الجنائز باب البكاء على الميت، وسنن ابن ماجة: 1/507 كتاب الجنائز باب 53 ح 1589 والبخاري: شرح وتحقيق قاسم الشماعي الرفاعي: 2/556 ، ح 1216 كتاب الجنائز، باب 828 قول النبي وإنا بك لمحزونون].

في هذا الحديث وصف رسول الله(صلى الله عليه وآله) تساقط الدموع بأنها رحمة. ومن هذا التعبير يفهم أن البكاء حسن.

ثم أراد بقوله(صلى الله عليه وآله) : «إن العين تدمع، إلى آخر الحديث» أن لا إثم بدمع العين وحزن القلب ، وإنما الإثم بقول ما يسخط الربّ كالاعتراض عليه سبحانه.

5 ـ وبكى الرسول(صلى الله عليه وآله) على اُمّه عند قبرها.

عن أبي هريرة قال: (زار النبي(صلى الله عليه وآله) قبر اُمه فبكى وأبكى من حوله)[صحيح مسلم : 2/671 كتاب الجنائز باب زيارة القبور ح 3234 ، سنن النسائي: 4/90 كتاب الجنائز ما جاء في قبر المشرك، وسنن ابن ماجة: 1/501 كتاب الجنائز ، باب ما جاء في زيارة قبور المشركين ح 1572].

6 ـ وبكى الرسول(صلى الله عليه وآله) في مرض سعد بن عبادة.

عن عبدالله بن عمر قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتى رسول الله(صلى الله عليه وآله) يعوده مع عبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبدالله بن مسعود، فلما دخل عليه وجده في غشية، فقال: (أقَضى؟) قالوا: لا يا رسول الله! فبكى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، فلما رأى القوم بكاء رسول الله(صلى الله عليه وآله)بكوا، فقال : «ألا تسمعون أن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا، وأشار الى لسانه ، أو يرحم»[صحيح مسلم: 2/636 كتاب الجنائز باب 6].

7 ـ بكاء الرسول(صلى الله عليه وآله) على سبطه الإمام الحسين بن علي(عليهما السلام) .

عن اُم الفضل بنت الحارث أنها دخلت على رسول الله(صلى الله عليه وآله)فقالت: يا رسول الله إني رأيت حلماً منكراً الليلة، قال: «وماهو؟ قالت: إنه شديد، قال: وماهو؟ قالت: رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): رأيت خيراً، تلد فاطمة إن شاء الله غلاماً فيكون في حجرك. فولدت فاطمة الحسين فكان في حجري كما قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) فدخلت يوماً إلى رسول الله فوضعته في حجره، ثم حانت منّي التفاتة، فإذا عينا رسول الله تهرقان من الدموع، قالت: فقلت: يا نبيّ الله! بأبي واُمي، ما لك؟! قال: أتاني جبرئيل فأخبرني أن اُمتي ستقتل ابني هذا، فقلت: هذا؟! قال: نعم، وأتاني بتربة من تربته حمراء».

قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه[مستدرك الصحيحين : 3/176 ، وتاريخ ابن عساكر ح 631 ، وفي مجمع الزوائد : 9/179 ، ومقتل الخوارزمي: 1/159 ، وأمالي الشجري: 188 ، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: 145 ، والصواعق المحرقة : 115 ، وكنز العمال: 6/223 ، والخصائص الكبرى: 2/125].

وهناك روايات اُخرى لا يسعنا ذكرها تؤكد كون الرسول(صلى الله عليه وآله) قد بكى في أكثر من مناسبة على الإمام الحسين بن علي(عليه السلام)[كرواية زينب بنت جحش، راجع تاريخ ابن عساكر ترجمة الإمام الحسين ح 629 ومجمع الزوائد: 9/188 ، وكنز العمال : 13/112 ، وابن كثير في تاريخه : 8/199 وكرواية عائشة: في طبقات ابن سعد رقم 269 ، وتاريخ ابن عساكر في ترجمة الإمام الحسين: ح 697 ، ومقتل الخوارزمي: 1/159 ، ومجمع الزوائد : 9/187 ، وكنز العمال: 13/108 ، والصواعق المحرقة لابن حجر: 115].

ولم يكن البكاء وليد عصر الرسالة، وإنّما له عمقه التاريخي حيث نجد عدداً من الأنبياء قد بكوا في مناسبات مختلفة :

قال تعالى عن نبيّه يعقوب(عليه السلام): (وتولّى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم)[يوسف: 84].

فقد بكى يعقوب على ولده يوسف حتى : (قالوا تالله تفتَؤُا تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين)[يوسف: 85].

قال الزمخشري: إذا كثر الاستعبار محقت العبرة سواد العين وقلبته الى بياض كدر. قيل: قد عمي بصره. وقيل: كان يدرك إدراكاً ضعيفاً ، قرئ من الحزن ومن الحزن، الحزن كان سبب البكاء الذي حدث منه البياض فكأنه حدث من الحزن.

قيل: ما جفّت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف الى حين لقائه ثمانين عاماً وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب.

وعن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنه سأل جبرئيل(عليه السلام): ما مبلغ من وجد يعقوب على يوسف؟

قال: وجد سبعين ثكلى.

قال: فما كان له من الأجر؟

قال: أجر مائة شهيد. وما أساء ظنّه بالله ساعة قط.

فإن قلت: كيف جاز لنبيّ الله أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ؟

قلت: الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند الشدائد من الحزن، ولذلك حمد صبره وأن يملك نفسه حتى لا يخرج الى ما لا يحسن.

ولقد بكى رسول الله(صلى الله عليه وآله) على ولده إبراهيم وقال: «القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب، وإنّا بك يا إبراهيم لمحزونون».

وإنّما الجزع المذموم ما يقع من الجهلة من الصياح والنياحة، ولطم الصدور والوجوه، وتمزيق الثياب.

وعن النبي(صلى الله عليه وآله) أنه بكى على ولد بعض بناته وهو يجود بنفسه، فقيل: يا رسول الله تبكي وقد نهيتنا عن البكاء؟ فقال: «ما نهيتكم عن البكاء وإنما نهيتكم عن صوتين أحمقين: صوت عند الفرح وصوت عند الترح».

وعن الحسن(عليه السلام) أنه بكى على ولده أو غيره، فقيل له في ذلك، فقال: «ما رأيت الله جعل الحزن عاراً على يعقوب فهو كظيم فهو مملوء من الغيظ على أولاده ولا يظهر ما يسوؤهم[الكشاف للزمخشري: 2/496].


المبحث الثالث
سيرة المسلمين في البكاء على موتى المؤمنين

أما سيرة المسلمين بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، فهي الاُخرى خير دليل كاشف عن جواز البكاء، حيث نلمس من خلالها، أن المسلمين وكبار الصحابة قد بكوا على موتاهم من المؤمنين، ورثَوْهم بمختلف القصائد الشعرية[ولا يختلف هنا الرثاء عن البكاء من حيث الممارسة التعبيرية عن الحزن الشديد فالرثاء يتضمن البكاء أحياناً والعكس صحيح أيضاً، ومادة بكى ورثى تعني: بُكاءً وبُكى: سال دمعه حزناً فهو باك بكى عليه ورثاه بَكى الميت ورثاه . ورثا: رثوا الميت: بكاه وعدّد محاسنه نظم فيه شعراً. المنجد في اللغة والأعلام: 46 و 249 ط 35] ، وإليك جملة من الشواهد التاريخية التي تؤكد صحة البكاء وشرعيته واستمرار سيرتهم عليه:

1 ـ وقف الإمام أمير المؤمنين على ضريح النبي(صلى الله عليه وآله) ساعة دفنه فقال: «إن الصبر لجميل إلاّ عنك، وإنّ الجزع لقبيح إلاّ عليك، وإن المصاب لجلل، وإنّه بعدك لقليل».

2 ـ وللإمام علي(عليه السلام) رثاء في حق رسول الله(صلى الله عليه وآله):

ألا طرق الناعي بليل فراعني***وأرّقني لمّا استقل مناديا

فقلت له لما رأيت الذي أتى ***لغير رسول الله كنت ناعيا[أنساب الأشراف للبلاذري: 2/276]

3 ـ عن أنس بن مالك قال: كانت فاطمة جالسة عند رسول الله(صلى الله عليه وآله)فتواكدت عليه كُربُ الموت، فرفع رأسه وقال: واكرباه! فبكت فاطمة وقالت : واكرباه لكربك يا أبتاه. قال: لا كرب على أبيك بعد اليوم[العقد الفريد: 3/164].

4 ـ وَ رَثَتْ فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين(عليها السلام) أباها(صلى الله عليه وآله)عند مماته بأبيات تهيج الحزن، منها:

ماذا على من شم تربة أحمد***أن لا يشم مدى الزمان غواليا

صبّت عليَّ مصائب لو أنها***صبّت على الأيام عدن لياليا[إرشاد الساري ، للقسطلاني: 3/415]

5 ـ ولصفية عمّة الرسول(صلى الله عليه وآله) رثاء حزين عند وفاة النبي(صلى الله عليه وآله)وهو قولها:

ألا يا رسولَ الله كنت رجاءنا***وكنت بنا برّاً ولم تكن جافيا

وكنت رحيماً هادياً ومعلماً***ليبك عليك اليوم من كان باكيا

لعمرك ما أبكي النبي لفقده***ولكن لما أخشى من الهرج آتيا[الاستيعاب في معرفة الأصحاب لمحمد بن عبدالبر: 4/149]

6 ـ وبكى أبو ذؤيب على رسول الله(صلى الله عليه وآله) حين وفاته وأنشد:

لما رأيت الناس في عسلاتهم***ما بين ملحود له ومضرح

متبادرين لشرجع بأكفهم***نص الرقاب لفقد أبيض أروح

فهناك صرت الى الهموم ومن يبت***جار الهموم يبيت غير مروح[الاستيعاب لابن عبدالبر : 4/214، رقم 2972]

7 ـ ذكر ابن إسحاق أن أبا سفيان بن الحارث بكى النبي(صلى الله عليه وآله)كثيراً ورثاه فقال:

أرقتُ فبات ليلي لا يزول***وليل أخي المصيبة فيه يطول

فأسعدني البكاء وذاك فيما***اُصيب المسلمون به قليل

لقد عظمت مصيبتنا وجلّت***عشية قيل قد قبض الرسول[الاستيعاب لابن عبدالبر: 4/238، رقم 3032]

8 ـ لمّا نعي النعمان بن مُقرن الى عمر بن الخطاب وضع يده على رأسه وصاح يا أسفا على النعمان!

ولما استشهد زيد بن الخطاب باليمامة وكان صحبه رجل من بني عدي بن كعب، فرجع الى المدينة فلما رآه عمر دمعت عيناه وقال:

وخلفت زيداً ثاوياً وأتيتني[المصدر السابق، الهم والحزن، ابن أبي الدنيا، رقم 144].

ولما توفي خالد بن الوليد أيام عمر بن الخطاب ـ وكان بينهما هجرة ـ امتنع النساء من البكاء عليه، فلما انتهى ذلك إلى عمر، قال: وما على نساء بني المغيرة أن يُرقن من دمعهن على أبي سليمان ما لم يكن نقعاً ولا لقلقة.

وبكى متمّم أخو مالك بن نويرة بمحضر أبي بكر وفي مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله) وكان متمّم أعور دميماً فلما بلغه مقتل أخيه; حضر مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله) وصلى الصبح خلف أبي بكر ، فلما فرغ من صلاته واستند في محرابه قام متمّم فوقف بحذائه واتّكأ على سيّة قوسه ، ثم أنشد:

نعم القتيل إذ الرياحُ تناوحت***خلف البيوت قتلت ياابن الأزور

أدعوته بالله ثم غدرته***لو هو دعاك بذمة لم يغدر؟

وأما أبو بكر فقال: والله ما دعوته ولا غدرته ثم بكى وانحطّ على سيّة قوسه، فما زال يبكي حتى دمعت عينه العوراء ، فقام إليه عمر بن الخطاب فقال: لوددت أنك رثيت زيداً أخي بمثل ما رثيت به مالكاً[وفيات الأعيان: 6/15 و 16 رقم 295].


المبحث الرابع
ما ورد عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) في البكاء

بكى أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وحثّوا شيعتهم على البكاء ضمن الإطار الشرعي، الذي يحقّق غرضه الإلهي المطلوب ولا يدخل في الحرمة، وإليك عدداً من تلك الروايات:

1 ـ عن عبدالله بن العباس، قال: «لما حضرت رسول الله(صلى الله عليه وآله)الوفاة بكى حتى بلّت دموعه لحيته، فقيل: يا رسول الله ما يبكيك؟ فقال: أبكي لذرّيتي، وما تصنع بهم أشرار اُ مّتي من بعدي، كأ نّي بفاطمة بنتي وقد ظلمت بعدي، وهي تنادي يا أبتاه! يا أبتاه! فلا يُعينها أحد من اُ مّتي. فسمعت ذلك فاطمة فبكت، فقال لها رسول الله(صلى الله عليه وآله) : لا تبكين يا بُنية! فقالت: لست أبكي لما يُصنع بي بعدك، ولكني أبكي لفراقك يا رسول الله، فقال لها: أبشري يا بنت محمد بسرعة اللحاق بي، فإنّك أول مَنْ يَلحق بي من أهل بيتي»[أمالي الطوسي : 1/191 ، والبحار : 28/41].

2 ـ عن ثوير بن أبي فاختة، قال: سمعت الإمام علي بن الحسين(عليه السلام) يحدث رجلاً من قريش، قال: «لمّا قرّب أبناء آدم القُربان ـ الى أن قال ـ ... فانصرف آدم فبكى على هابيل أربعين يوماً وليلة...»[بحار الأنوار : 11/230].

3 ـ روي عن الإمام أبي عبدالله الصادق(عليه السلام) ، أنه قال: «بكى علي ابن الحسين على الحسين بن علي صلوات الله عليهم أجمعين عشرين سنة، وما وضع بين يديه طعام إلاّ بكى على الحسين(عليه السلام)حتى قال له مولىً له: جعلت فداك يابن رسول الله، إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين! فقرأ: (قال إنّما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون) إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلاّ خنقتني العبرة»[وسائل الشيعة : 2 / 922، باب 87 باب جواز البكاء ح 7].

4 ـ روي عن أبي بصير، قال: سمعت الصادق(عليه السلام)يقول: «إنّ أبي مرض مرضاً شديداً حتى خفنا عليه، فبكى عند رأسه بعض أصحابه، فنظر إليه وقال: إني لست بميّت في وجعي هذا قال: فبرأ ومكث ماشاء الله من السنين، فبينما هو صحيح ليس به بأس، فقال: يا بنيَّ انّي ميّت يوم كذا، فمات في ذلك اليوم»[بحار الأنوار : 46/256].

5 ـ عن حمزة بن حمران، قال: دخلت الى الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام) فقال لي: «يا حمزة من أين أقبلت؟ قلت: من الكوفة. قال: فبكى(عليه السلام) حتى بلّت دموعه لحيته، فقلت له: يا ابن رسول الله مالك أكثرت البكاء؟ فقال: ذكرت عمي زيداً وما صُنع به فبكيت. فقلت له: وما الذي ذكرت منه؟ فقال: ذكرت مقتله وقد أصاب جبينه سهم فجاءه ابنه يحيى فانكبّ عليه وقال له: أبشر يا أبتاه فإنّك ترد على رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام)، قال: أجل يا بُنيّ، ثم دعا بحدّاد فنزع السهم من جبينه، فكانت نفسه معه... ـ الى أن قال(عليه السلام) ـ فلعن الله قاتله وخاذله والى الله جلّ اسمه أشكو ما نزل بنا أهل البيت...»[أمالي الصدوق : 392 ، والبحار : 46/172].

6 ـ عن أبي هارون المكفوف قال: قال لي أبو عبدالله(عليه السلام): «يا هارون أنشدني في الحسين(عليه السلام)قال: فأنشدته، قال:فقال لي:أنشدني كما تنشدون ـ يعني بالرقة ـ ، قال: فأنشدته (شعر):

أمرر على جدث الحسين***فقل لأعظُمِه الزكيّة...

قال: فبكى، ثمّ قال: زدني، فأنشدته القصيدة الاُولى، قال: فبكى وسمعت البكاء من خلف الستر.

قال: فلمّا فرغت قال: يا أبا هارون من أنشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى عشراً كُتبت لهم الجنّة، ومن أنشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى خمسة كُتبت لهم الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى واحداً كُتبت لهما الجنة، ومن ذكر الحسين(عليه السلام) عنده فخرج من عينه من الدموع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على الله ولم يرضَ له بدون الجنة»[ثواب الأعمال للصدوق: 47، وكامل الزيارات: 111].

7 ـ عن الوشا عن الرضا(عليه السلام) أنّه قال بخراسان: إنّي حيث أرادوا بي الخروج جمعت عيالي فأمرتهم أن يبكوا عليَّ حتى أسمع، ثم فرقت فيهم اثني عشر ألف دينار، ثمّ قلت: أما إنّي لا أرجع الى عيالي أبداً»[بحار الأنوار: 49/52].

8 ـ عن الريان بن شبيب، قال: دخلت على الرضا(عليه السلام) في أول يوم من المحرّم، فقال لي: «يابن شبيب إن المحرّم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية يحرمون فيه الظلم والقتال لحرمته، فما عرفت هذه الاُ مّة حرمة شهرها ولا حرمة نبيّها(صلى الله عليه وآله)، إذ قتلوا في هذا الشهر ذريّته، وسبوا نساءه ، وانتهبوا ثقله، يابن شبيب! إن كنت باكياً لشيء فابك للحسين(عليه السلام) فإنّه ذبح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً ما لهم في الأرض من شبيه، ولقد بكت السماوات السبع لقتله، ـ الى أن قال ـ يابن شبيب! إن سَرّك أن تكون معنا في الدرجات العُلى فاحزن لحزننا، وافرح لفرحنا، وعليك بولايتنا»[المجالس الفاخرة للسيد عبدالحسين شرف الدين: 21 نقلاً عن العيون للصدوق].

9 ـ عن الحسن بن يزيد، قال: ماتت ابنة لأبي عبدالله(عليه السلام) فناح عليها سنة، ثم مات له ولد آخر فناح عليه سنة، ثم مات له اسماعيل فجزع عليه جزعاً شديداً ، فقطع النوح، قال: فقيل لأبي عبدالله(عليه السلام)أيناح في دارك؟ فقال: «إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال لما مات حمزة: لكن حمزة لا بواكي له»[الوسائل : 2/892، كتاب الطهارة أبواب الدفن، باب جواز النوح والبكاء على الميت].

10 ـ عن الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) ، أنّه قال: «من كرم المرء بكاؤه على ما مضى من زمانه»[ بحار الأنوار: 74/264].

11 ـ وعن الإمام زين العابدين(عليه السلام) ، قال: «ما من قطرة أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من قطرتين: قطرة دم في سبيل الله وقطرة دمعة في سواد الليل، لا يريد بها عبد إلاّ الله عزّ وجلّ»[المصدر السابق].

12 ـ عن محمد بن الحسن الواسطي، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «إن إبراهيم خليل الرحمن سأل ربّه أن يرزقه ابنة تبكيه بعد موته»[وسائل الشيعة : 43/892].


المبحث الخامس
حكم البكاء وتوابعه عند علماء مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)


إنّ البكاء جائز قبل خروج الروح وبعده[ذكرى الشيعة : 2/47 للشهيد الأول] ، بل يستحب[النص والاجتهاد لشرف الدين: 247] إذا كان الميت مؤمناً وفي حالة إذا كان الحزن شديداً[تحرير الوسيلة للإمام الخميني: 1/164].

ولو مع الصوت، بل قد يكون راجحاً ، كما إذا كان مسكناً للحزن وحرقة القلب، بشرط أن لا يكون منافياً للرضا بقضاء الله، ولا فرق بين الرحم وغيره[مستمسك العروة الوثقى للحكيم: 4/266].

ومدرك ذلك الإجماع والنصوص المستفيضة وفي بعضها الأمر به عند شدة الوجد[مستند الشيعة للنراقي: 3/318. وراجع الوسائل: 3/341، أبواب الدفن، ب 70 . وجاء في المعجم الوسيط مادة وجد: (وَجَد) فلان وجْداً : حزِن و عليه مَوْجِدَةً غَضِبَ. وبه وجداً أحبه . وفي مجمع البحرين للطريحي: توجدتُ لفلان: حزنت له وَجُدَ بفلانة وجداً: أحبّها حباً شديداً. مادة وجد: 3/155].

وأما البكاء المشتمل على الجزع وعدم الصبر فجائز ، ما لم يكن مقروناً بعدم الرضا بقضاء الله، نعم يوجب حبط الأجر ولا يُبعد كراهته[مستمسك العروة الوثقى: 4/267].

كما يجوز النوح على الميت بالنظم والنثر ما لم يتضمن الكذب، ولم يكن مشتملاً على الويل والثبور.

ولا يجوز اللطلم والخدش وجز الشعر، بل والصراخ الخارج عن حد الاعتدال كما لا يجوز شق الثوب على غير الأب والأخ.

أما جزّ المرأة شعرها في المصيبة فكفّارته كفّارة شهر رمضان، وفي نتفه كفّارة يمين، وكذا في خدشها وجهها.

وفي شق الرجل ثوبه في موت زوجته أو ولده كفّارة يمين: وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام[المصدر السابق: 4/267.].


الخلاصة

إنّ البكاء من الشعائر الإسلامية المحبوبة عند الله سبحانه ، لذا ورد الحث عليه في الكتاب والسنّة والشريعة.

ومن هنا قد بكى الأنبياء(عليهم السلام) في مناسبات عديدة، كبكاء النبيّ يعقوب على ولده النبي يوسف.

وإن سيرة الرسول(صلى الله عليه وآله) كانت مستمرة في البكاء على من رآه مشرفاً على الموت وعلى من توفي شهيداً أو غير شهيد وعلى قبر المتوفى.

وأما سيرة المسلمين فهي الاُخرى مستمرة في البكاء على موتى المؤمنين أثناء حياة الرسول(صلى الله عليه وآله) وبعد وفاته، وكتب الحديث والسير مملوءة بقصص البكاء والرثاء على موتاهم.

واتّضح أن فرض صحة روايات التحريم يتعارض مع روايات جوازه هذا من جهة، وتعارضها من جهة ثانية مع منطق القرآن الذي لا يحمّل أحد المذنبين ذنب غيره، ومعارضة عائشة وابن عباس لرواية التحريم التي يرويها عمر بن الخطاب وابنه عبدالله حيث نعتوها بالخطأ والنسيان من جهة ثالثة .

أما مذهب أهل البيت(عليهم السلام) فهو جواز البكاء على موتى المؤمنين بشرط أن لا يكون مقروناً بعدم الرضا بقضاء الله، أو أن يكون الرثاء والنوح مشتملاً على الكذب، أو خمش الوجوه، وشق الجيوب.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2009, 05:44 PM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
حيدر الكربلائي
الدم الأحمر تفجر
الطويرجاوےِ

 
الصورة الرمزية حيدر الكربلائي
 
وسام الإدارة ADMIN3 وسام الوفاء 
مجموع الاوسمة: 3 (أكثر» ...)
إحصائية العضو









حيدر الكربلائي غير متواجد حالياً

 

 

 

افتراضي


مفهوم الغلوّ

الغلو من جملة المفاهيم التي لا تتحدد من تلقاء نفسها، شأنها في ذلك شأن مفاهيم الاستقامة، والوسطية، والاعتدال، ونحوها، وغاية ما تدلّ عليه هذه المفاهيم هو أن هناك اُموراً توصف بهذه الأوصاف، واُموراً اُخرى معاكسة لها في المعنى توصف بأضدادها، فإذا أردنا التطبيق على الواقع الخارجي وإلقاء هذه الأوصاف على حالات قائمة فيه احتجنا الى مقياس نتخذه كأساس لوصف حالة معينة بالغلو، وحالة اُخرى بالاعتدال، وحالة ثالثة بالوسطية، وهكذا.

وفي مسألة اتهام التشيّع بالغلو نلاحظ أنّ أحداً لا يستطيع أن ينكر أصل وجود مفهوم الغلو، ولكننا نسأل الذين يطبقونه على التشيّع ومدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، عن الأساس والمقياس الموضوعي الذي اتخذوه للحكم على هذه المدرسة بهذا الحكم القاسي؟ وجوابهم على ذلك لابد من أن يدور بين افتراضات أربعة لا خامس لها، وهي:

1 ـ العرف وطبيعة الأشياء، بأن يقال: بأن العرف لا يساعد على ما تؤمن به مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) من خصائص الأئمة الاثني عشر(عليهم السلام)، فالغلو ـ طبقاً لهذا المقياس ـ هو ما زاد على العرف.

2 ـ القياس على منزلة الصحابة، بأن يقال: بأن الإيمان بما للأئمة من خصائص مذكورة في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) يؤدي الى علوّ منزلة الأئمة على منزلة الصحابة، فالغلو ـ طبقاً لهذا المقياس ـ هو الزيادة على منزلة الصحابة.

3 ـ ما تفهمه مدرسة الخلفاء من الكتاب والسنّة، بأن يقال: إن ما تمنحه مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)للأئمة الاثني عشر من خصائص، يتنافى مع ما تفهمه مدرسة الخلفاء من الكتاب والسنّة، فالغلو ـ طبقاً لهذا المقياس ـ هو ما خالف فهم مدرسة الخلفاء.

4 ـ الكتاب والسنّة، بأن يقال: بأن الكتاب والسنّة لم يشتملا على ما يدل على هذه الخصائص، فالغلو ـ طبقاً لهذا المقياس ـ هو ما خالف الكتاب والسنّة.

هذه هي الاُسس والمقاييس الموضوعية المحتملة للحكم على مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)بالغلو في الأئمة(عليهم السلام) وواضح أن صحة هذا الحكم منوطة بمدى صحة الأساس الذي قام عليه، والمقياس الموضوعي الذي نبع منه.

أما الأساس الأول: فلا يركن إليه إنسان من أهل الدين والإيمان، وإنما يعتمده ذوو الثقافة اللادينية ممن يعتبر الدين مرحلة اُسطورية في تأريخ البشرية، فمثل هؤلاء لا يقبلون لأي إنسان خصائص مثل العصمة والنص الإلهي والإلهام، التي تؤمن بها مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)بحق الأئمة، ويعتبرونها نوعاً من الغلو الذي هو وليد الذهنية الاُسطورية، ولذا فقد لعب المستشرقون دوراً خطيراً في اشاعة هذه الشبهة، عبر مؤلفاتهم التي يتخذها الكثير من الكتّاب في العالم الإسلامي ـ ومع الأسف الشديد ـ كمصدر لما يكتبونه بشأن التاريخ الاسلامي، ويستمدون منها الطعن على فكرة مذهبية لا تروق لهم.

وواضح أن الدين لا يقاس بالعرف والطبائع الجارية للاُمور، وإذا جرى تطبيق هذا المقياس على الإمامة، فإنه سينجر الى التطبيق على النبوّة والأنبياء والكتب السماوية، والمنهج المنطقي للتعامل مع أصحاب هذا المقياس، هو الخوض أولاً في القضية الدينية الكبرى المتمثلة بالتوحيد، فبعدما يتم نقض الدعوى الغربية، القائلة : «بأن الدين لا يمثل حقيقة عُلوية، وإنما يمثل الإنسان في مرحلة تأريخية كانت متعطشة للاُسطورة، فتولّد الدين لاشباع هذه الحاجة». وحينما يتم إثبات التوحيد والدين والوحي كحقائق كونية ما ورائية عُلوية، يصبح واضحاً أن الدين هو المقياس لتغيير الواقع، ولا يصح أن يكون الواقع مقياساً لفهم حقائق الدين، فمصير الأساس الأول مرتبط بنتيجة البحث في هذه القضية التي ما لم تبحث أولاً لا يكون تطبيق الأساس الأول والعمل بمقتضاه مستنداً الى دليل منطقي.

وأما الأساس الثاني: فهو من أبرز مصاديق المصادرة على المطلوب، فمن الذي قال: بأن الغلو هو ما كان زائداً على منزلة صحابة الرسول(صلى الله عليه وآله)؟ فهنا قول مركب من دعويين لابد من إثباتهما أولاً حتى يصح الإستناد الى هذا الأساس كمقياس للغلو، وهما:

1 ـ إن للصحابة منزلة ليس لغيرهم مثلها.

2 ـ إن الغلو هو : نسبة هذه المنزلة، أو أعلى منها لغير الصحابة.

وما لم يتم إثبات هذين الدعويين لا يعد الإستناد الى الأساس الثاني في تحديد المصاديق الخارجية للغلو صحيحاً ولا منطقياً، وإثباتهما لابد وأن يكون مستنداً الى الكتاب والسنّة الشريفة.

فإن قيل: إن مدرسة الخلفاء المتمثلة بالمذاهب الإسلامية الأربعة قد فهمت من الكتاب والسنة ثبوت هذين الدعويين فيهما، إستناداً الى آية (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتّبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار...)[سورة التوبة: 100].

وحديث «خير القرون قرني والقرن الذي يليه» المروي عن النبي(صلى الله عليه وآله) في مدح الأصحاب، فهذا هو الأساس الثالث، والموقف المنطقي منه هو أن ندرس أدلة هذه المدرسة، ومستندات حكمها على غيرها بالغلو، بمعنى أن الأساس الأصيل في الاستدلال والبرهنة إنّما هو نفس الكتاب والسنّة، فلابد من مراجعتهما وحل مسألة الغلو على أساسهما.

وهكذا يتضح أن الأساس الرابع، المتمثل بالقول: بأن الغلو هو ما خالف أصل الكتاب والسنّة، هو الأساس الصحيح، وطبقاً لهذا الأساس وحده نستطيع أن نطلق وصف الغلو أو الاعتدال على مدرسة فكرية معينة. وعلى أساسه أيضاً نستطيع أن نناقش شبهة الغلو بالأئمة التي اُطلقت على أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام). وهو المعنى المطابق للاصطلاح اللغوي والشرعي.

فإن الغلو في الاصطلاح اللغوي: هو مجاوزة الحد والافراط في الشيء[لسان العرب 15: 132]، وقد أورد القرآن الكريم هذه الكلمة مرتين، الاُولى في قوله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلاّ الحق إنّما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها الى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم...)[سورة النساء : 171].

والثانية في قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحقّ ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلّوا)[سورة المائدة : 77].

وذكر محمد رشيد رضا في تفسير هذه الآية أن «الغلو: الافراط وتجاوز الحد في الأمر، فإذا كان في الدين فهو تجاوز حد الوحي المنزل الى ما تهوى الأنفس; كجعل الأنبياء والصالحين أرباباً ينفعون ويضرون... واتخاذهم لأجل ذلك آلهة يعبدون فيدعون من دون الله تعالى أو مع الله تعالى، سواء اُطلق عليهم لقب الربّ والإله كما فعلت النصارى أم لا، وكشرع عبادات لم يأذن بها الله...»[تفسير المنار 6: 488 ـ 489 ط . دار المعرفة].

فالغلوّ إذاً هو الزيادة على الحد الشرعي والافراط في ما قرّره الوحي. وإذا اتضح ذلك فلننظر على أي المدرستين ينطبق هذا المعنى؟

هل ينطبق هذا الغلو على مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) فيما تؤمن به من خصائص للأئمة الاثني عشر ؟ أم ينطبق على مدرسة الخلفاء فيما تؤمن به من خصائص للصحابة؟


الغلوّ بين المدرستين

بعدما اتضح معنى الغلو وأنّه الزيادة على ما حدّه الشرع وقرّره الوحي، نقول: إن المقصود بهذا الحد ـ وإن كان أمراً عاماً ـ يشمل العقيدة والشريعة، إلاّ أن الغلو الذي وقع محلاً للبحث والاتهام والاهتمام هو ما كان غلواً في العقيدة، أما ما كان غلواً في الشريعة، بأن يُزاد في أحكامها الالزامية ويُتشدد في تطبيقها أكثر مما هو مرسوم فيها فلم يجر البحث فيه إلاّ نادراً.

وما شهده التاريخ الاسلامي هو معركة الآراء والأفكار في الغلو العقائدي دون الغلو التشريعي. وبحثنا الذي نحن فيه يدور حول هذه المعركة، حيث يتهم الشيعة وأتباع مدرسة أهل البيت بالغلو في الأئمة غلواً عقائدياً.

ولكي ندرس هذه المسألة دراسة كافية ومستوعبة وعميقة لابد وأن نستذكر أولاً أن المقصود بالعقيدة الإسلامية هو الاُصول الثلاثة المعروفة: التوحيد، والنبوة، والمعاد، والأصل الثالث المتمثل بالمعاد لابد وأن يخرج من البحث، إذ لا يتصور وقوع الغلو فيه، فيبقى من العقيدة أمران : التوحيد والنبوة.

وهنا نسأل أولاً: هل أن الغرض من هذه الشبهة أن مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) تعطي حد التوحيد للأئمة وتضفي عليهم خصائص الاُلوهية؟ أم الغرض منها أن هذه المدرسة تجعل الأئمة بمرتبة الرسول(صلى الله عليه وآله) ومنزلته؟ أم الغرض أنّها تجعلهم في مرتبة وسطى أدنى من مرتبة الرسول، وأعلى من مرتبة سائر الأُمة؟

وواضح أن مفهوم الغلو يتحقق بثبوت الفرض الأول، إذ لا يمكن اعطاء حد التوحيد وخصائص الاُلوهية لأحد من البشر، كما أنّه يتحقق بثبوت الفرض الثاني لقيام اجماع المسلمين على أن الرسول(صلى الله عليه وآله) أشرف الخلق أجمعين من الأولين والآخرين.

أما الفرض الثالث فلا يتحقق الغلو بثبوته، فلو آمنت مدرسة إسلامية طبقاً لأدلة من الكتاب والسنة على أن هناك منزلة وسطى أدنى من منزلة الرسول(صلى الله عليه وآله) وأعلى من منزلة سائر الأُمة، وأن هذه المنزلة قد أُعطيت لأفراد معينين، لا يعد مثل هذا الإيمان غلوّاً لأنه لا يتجاوز حدّ النبوة ومستوى التوحيد، وإذا كان مثل هذا الإيمان غلواً فلابد من أن نعد جميع المسلمين غُلاة، لأنهم جميعاً قد آمنوا بوجود هذه المنزلة، سوى أنّهم اختلفوا في أن هذه المنزلة هي لصحابة الرسول(صلى الله عليه وآله)أم لأهل بيته؟

وبعد هذا لنأتي الى الفروض الثلاثة وندرسها بنحو من التفصيل والاستيعاب.


أما الفرض الأوّل والثاني

فمما لاشك فيه أن التاريخ الإسلامي قد شهد في قرونه الثلاثة الاُولى حركات فكرية مغالية قامت على أركان ثلاثة هي:

1 ـ إضفاء صفة الاُلوهية على بعض الأشخاص، فهناك من آمن باُلوهية الإمام علي، وهناك من آمن باُلوهية الرسول(صلى الله عليه وآله)، أو آمن باُلوهية آدم وسائر الأنبياء من بعده، وهناك من آمن باُلوهية بعض أئمة أهل البيت، ومنهم من آمن باُلوهية محمد بن اسماعيل بن جعفر الصادق، ومنهم من آمن باُلوهية أبي الخطاب محمد بن أبي زينب مولى بني أسد بالكوفة، ومنهم من آمن باُلوهية أشخاص آخرين ذكرتهم المصادر المختصة بالملل والنحل[الفصل في الملل والأهواء والنحل 4: 186 ـ 188].

2 ـ إضفاء صفة النبوة على بعض الأشخاص، كالغرابية المعتقدين بنبوة الإمام علي(عليه السلام)،وأن الوحي قد أخطأ ونزل على النبي محمد(صلى الله عليه وآله)، وهناك من قال بنبوة المغيرة بن سعيد مولى بجيلة بالكوفة، وهناك من قال بنبوة بيان بن سمعان التميمي[المصدر السابق : 183 ـ 186].

3 ـ إسقاط التكاليف الشرعية، كما ذهب إلى ذلك بعض الصوفية[المصدر السابق : 188].

وهذا كله غلو واضح، وقد حاربه الأئمة الأطهار(عليهم السلام) محاربة لا هوادة فيها، وتبرأوا من دعاته ولعنوهم، ودعوا الى البراءة منهم، ومصادر التراث الإمامي مملوءة بالأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت في ذلك، بل إنهم(عليهم السلام) لم يكتفوا بذلك، وإنّما اُعطوا لأتباعهم قواعد عامة لاستخلاص الحديث الصحيح، وتمييزه عن الحديث السقيم، الذي قد يدسّه الغُلاة وينسبونه الى النبي(صلى الله عليه وآله)والأئمة(عليهم السلام)زوراً وبهتاناً، فهذا هشام بن الحكم ينقل عن الإمام الصادق(عليه السلام)، أنه قال: «لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق القرآن والسنّة أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة، فإن المغيرة بن سعيد لعنه الله دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى وسنّة نبينا(صلى الله عليه وآله)»[رجال الكشي 3: 489، ح 401].

ومصادر الفقه الإمامي منذ تكوّنه وحتى الآن قد اتفقت كلمتها على كفر الغُلاة والمفوضة ونجاستهم، وقد صرّح بذلك الشيخ المفيد في تصحيح الاعتقاد[تصحيح الاعتقاد : 238]، والشهيدان في اللمعة الدمشقية وشرحها[شرح اللمعة الدمشقية 3: 180]، والسيد اليزدي في العروة الوثقى[العروة الوثقى 1: 68]، ونقل السيد الحكيم في مستمسك العروة الوثقى الإجماع على ذلك، ثم أردف قائلاً: «وكذا الحال لو اُريد من الغُلو تجاوز الحد في صفات الأنبياء والأئمة مثل اعتقاد أنّهم خالقون، أو رازقون، أو لا يغفلون، أو لا يشغلهم شأن عن شأن، أو نحو ذلك من الصفات»[مستمسك العروة الوثقى 1: 386].

وإذا تتبع الباحث فهارس التراث الإمامي، كالذريعة الى تصانيف الشيعة للشيخ آقا بزرك الطهراني، عثر فيها على عشرات المؤلفات التي صنفها أصحاب الأئمة(عليهم السلام)، في القرون الثلاثة الاُولى، في ذم الغُلاة والبراءة منهم وبيان الحكم الشرعي بشأنهم.

ورغم هذا الموقف الحازم الذي وقفه الأئمة(عليهم السلام) وأصحابهم وفقهاء مدرستهم قديماً وحديثاً ضد الغلو والغُلاة، مع ذلك نجد الأقلام العاثرة الفاترة نسبت، ولا زال بعضها ينسب الغلو والغُلاة الى التشيع، متشبثين بنصوص يعثرون عليها في التراث الحديثي الإمامي يُشم منها رائحة الغلو فيعتبرونها أدلة قاطعة على ذلك، وهي نصوص يدور أمرها بين احتمالين، فإما أنّها تتحدث عن عصمة الأئمة(عليهم السلام) ومنزلتهم الرفيعة عند الله، وهي المنزلة التالية لمقام الرسول(صلى الله عليه وآله)، المشتملة على خصوصيات تأبى مدرسة الخلفاء عن التسليم لها فتعدّها من الغلو، وهو حكم بلا دليل كما سيتضح في مناقشتنا للفرض الثالث، وإما أنّها نصوص مغالية فعلاً قد اندسّت في التراث الإمامي وغير الإمامي، وهي مما نجح خط الغلو في دسّه فيه رغم براءة الشيعة منه براءة تامة.

ولذا فعلى الباحث السنّي أن يلتفت الى أن مذهب أهل البيت(عليهم السلام)وتلافياً منه لحالة الضعف هذه وسائر حالات الضعف التي فرضت نفسها على التراث الحديثي الإسلامي بكل مدارسه الفقهية والكلامية، كالإسرائيليات التي اخترقت التراث الإسلامي عامة ـ كما نلاحظه في تفاسير اخواننا أهل السنة وجوامعهم الحديثية بشكل خاص ـ لا يعتبر كل ما يمتلكه من تراث حديثي صحيحاً ومعتبراً، بل يرى فيه ما هو صحيح ومعتبر يجب التديّن والتمسك به، وفيه ما هو رديء وضعيف لا يوجب علماً ولا عملاً، ولا يتخذ دليلاً على شيء من اُصول الدين ولا فروعه. وفي ظل حالة كهذه، ولأجل مواجهة آثارها السلبية على الاسلام ـ عقيدة وشريعة ـ آمنت مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)بضرورة اخضاع التراث الإسلامي لعملية نقد وتمحيص شديد من أجل الحصول على أحاديث صحيحة يمكن الاعتماد عليها كأدلة فيما بين العبد وربّه.

وكون الحديث مُدوّناً في الكافي أو التهذيب أو بحار الأنوار لا يعد دليلاً على صحته، بل لا يعد دليلاً على أن العلماء الأعاظم من أقطاب المذهب الذين دوّنوه في موسوعاتهم كانوا يعتبرونه صحيحاً; فإن هدفهم(رحمهم الله) من الجمع والتدوين لم يكن بيان الحجج والأدلة والاستنباط والبرهنة، وإنّما كان هدفهم حفظ التراث من الضياع والحيلولة دون اندثاره. ولذا فمن الممكن العثور على بعض النصوص المدسوسة المنسوبة الى أهل البيت زوراً وبهتاناً، وفي حالة كهذه ليس من الانصاف أن يحكم على المذهب إستناداً الى نصوص من هذا القبيل، خاصة وأن التراث الحديثي للمذاهب الأربعة يشتمل على نسبة أعلى من الإسرائيليات والموضوعات والأخبار الزائفة.

وإذا شئنا المقارنة بين المدرستين، فإن مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)أكثر حصانة من تسلّل الدسّ والتحريف إليها، لأنها لم تسلّم بصحة أي كتاب أو مصدر من مصادر الأحاديث، وليس شيئاً منها مستثنى عن التمحيص والتحقيق والمناقشة، والحديث الصحيح عندها هو الذي تثبت صحته بعد مراحل عسيرة من النقد والتقويم.

بينما سلّمت مدرسة المذاهب الأربعة بصحة صحيح البخاري، وصحيح مسلم، رغم وهن الكثير من أخبارهما، ودلالة الكثير منها على أباطيل كالتشبيه والتجسيم لله سبحانه وتعالى، ورغم اشتهار الكثير من رواتهما بالضعف والوضع والكذب[راجع رجال السنّة للمظفّر ]، وعلى فرض أن بعض الأحاديث كانت متوفرة على شرائط الحجية من جهة السند ووثاقة الرواة، فإن كان متنها يتضمن مخالفة قطعية للقرآن الكريم في جهة من الجهات ـ ومنها الغلو ونحوه ـ ويأبى الحمل على وجه صحيح، فمن مقررات مذهبنا الثابتة والقطعية في مثل هذه الحالة عدم العمل بهذا الحديث، لقول أئمتنا(عليهم السلام) : «ما لم يوافق كتاب الله فهو زخرف»[اُصول الكافي : 1/69 ح 3].


وأما الفرض الثالث

اتضح مما سبق أن الغلو الذي يراد به نسبة الاُلوهية والنبوة الى الأئمة وإسقاط التكاليف الشرعية عنهم أمر منفي عن التشيع بنحو قطعي.

بقي البحث في معنى مفترض آخر للغلو وهو: أن القول بثبوت منزلة للأئمة(عليهم السلام) أدنى من منزلة الرسول(صلى الله عليه وآله) وأعلى من منزلة سائر الاُمة هل يُعدّ غلوّاً؟

والجواب على ذلك نعرفه من مفهوم الغلو نفسه، فلما كان الغلو هو الزيادة على الحد الشرعي، فمن الضروري بيان الحد الشرعي حتى نعرف ما يزيد عنه ونعتبره غلوّاً . ولولا وضوح حدّ النبوّة، ومزايا شخص الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) ما استطعنا تحديد الغلو الزائد عنه، فلابد من معرفة حد الرتبة الأدنى منه وخصائصها حتى نتقيد بها ونعد الزائد عليها غلوّاً .والطريق الى معرفة هذه الرتبة بحدها وخصائصها منحصر بالكتاب والسنّة.

إن أصل وجود منزلة وسطى أدنى من منزلة الرسول(صلى الله عليه وآله)وأعلى من منزلة سائر الاُمة أمر قد اتفق المسلمون بشأنه ولا خلاف بينهم فيه، وإنّما وقع الخلاف بينهم في جهتين:

1 ـ في الأفراد الذين قد استحقوا هذه المنزلة.

2 ـ في خصائص هذه المنزلة ومزاياها.

وحينئذ، فالغلو المفترض لا يمكن أن يقع على الإيمان بأصل هذه المنزلة، وإلاّ لزم أن يكون جميع المسلمين غُلاة، فلابد وأن ينصبّ الغلو المفترض على هاتين الجهتين التفصيليتين فيها.

لقد آمن جمهور المسلمين بأن صحابة الرسول(صلى الله عليه وآله) في صدر الإسلام يتمتعون بالمكانة الاُولى في الاُمة، والرتبة التالية لمنزلته(صلى الله عليه وآله)، وأنّهم مجتهدون عدول، وأن خلافة الرسول(صلى الله عليه وآله)فيهم على نحو الشورى والانتخاب، واستدلوا على ذلك بآية: (والسابقون الأولون ... رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جنات)المذكورة آنفاً وحديث: «خير القرون قرني والقرن الذي يليه» المنسوب الى النبي(صلى الله عليه وآله).

وعلى أساس ذلك آمن الجمهور بأن هذه المنزلة منحصرة بالصحابة، وأن اعطاءها لغيرهم ـ فضلاً عن الزيادة عليها ـ يعد غلوّاً لأنه سيكون اعتقاداً بلا دليل، وهو من مصاديق الزيادة على الحد الشرعي المتمثل في ما عدا الصحابة من الاُمة بأنهم سواء لم يرد فيهم نص يفضل بعضهم على بعض.

ومن هنا جاء استنكارهم لمدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، واتهامهم إياها بالغلو حينما آمنت بأن المنزلة الوسطى هي لأئمة أهل البيت، وأنّهم أركان الإمامة، وامتداد النبوة وأوتاد الولاية، وأن العصمة والنص والوصية فيهم، وأن المهدي(عليه السلام) منهم، وهو آخرهم وأنّهم أفضل أهل زمانهم علماً وعملاً، وأن الله يسددهم بالإلهام ويغنيهم به عن طلب العلم من غيرهم، وأن ذلك كلّه ثابت في الكتاب أو السنّة كما هو مبسوط في التراث الكلامي الإمامي لأعلام هذه المدرسة القدامى منهم والمحدثين.

والباحث المنصف في هذه المسألة، لابد وأن يدرس أدلة الطرفين، ليرى أي المدرستين تتطابق مع الكتاب والسنّة، وتقدم حجة دامغة على ما تقول، وأيهما لا تتطابق مع الكتاب والسنّة، ولا تتسم أدلتها بالثبات في مواجهة الدليل العلمي والنقد البرهاني، وحينئذ يكون الحق مع الاُولى وتكون الثانية مستحقة للاتهام بالغلو.

وعندما يسلك هذا الطريق بانصاف وتعمق سيتوصل الى الحقائق التالية:

1 ـ إن أدلة مدرسة الخلفاء والصحابة لا تنهض بإثبات مدعاها، فإن آية (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار... رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جنات...) التي تعتبر أقوى دليل تورده عليه تتوقف دلالتها على المدعى على إثبات أن كلمة «من» الواردة قبل كلمة «المهاجرين والأنصار» بيانية لا تبعيضية، فإذا أثبتوا ذلك أمكنهم حينئذ دعوى أن الآية تمنح كل من هاجر مع الرسول(صلى الله عليه وآله)ومن نصره في المدينة امتياز الرضا الإلهي وجنات الخلد.

لكن أحداً لا يستطيع أن يدعي ذلك فضلاً عن أن يثبته، لأن هناك آيات قرآنية اُخرى ذكرت أن في جملة المهاجرين والأنصار ومن صدق عليه هذان الوصفان، منافقون[وقد ذكرهم القرآن الكريم «38» مرة وخصص للتنديد بهم سورة كاملة، هي سورة «المنافقون»] ومن في قلبه مرض[ الأنفال : 49، الأحزاب: 12، الأحزاب : 60]وفاسقون، ومنهم من تبرأ النبي(صلى الله عليه وآله) من عمله[الحجرات : 6]، ومنهم من تآمر على النبي(صلى الله عليه وآله)وسعى لاغتياله[دلائل النبوة : ج 5 / ص 256 ـ 259]، ومع وجود حقائق تأريخية وقرآنية كهذه لا نستطيع أن نفسر كلمة «من» بأنها بيانية وهي تريد كل من حمل وصف الهجرة مع النبي(صلى الله عليه وآله) والنصرة له.

وهنا يتعين علينا تفسيرها بأنها تبعيضية، ويكون معنى الآية حينئذ: أن الله سبحانه وتعالى قد رضي عمن أخلص في هجرته ونصرته واستقام في عمله من المهاجرين والأنصار[لمزيد من التفاصيل انظر تفسير الميزان 9: 391 ـ 396]. وهو معنى ينطبق على بعضهم فقط ولا ينطبق عليهم جميعاً، وربما كانت الآية ناظرة الى أفراد معينين معلومين عند نزول الوحي ولدى الرسول(صلى الله عليه وآله) فأرادت الإشارة إليهم في سياق مفهوم عام.

أما حديث «خير القرون قرني» فهو لا يدل على المدّعى، ومن الممكن تفسيره بأن مسيرة الدين ودرجة الإيمان في النفوس سوف تأخذ خطاً تنازلياً بعد وفاته، وليست هناك ضرورة تفرض أن الحديث ينطوي على إشارة لمنزلة الصحابة من بعده.

ومع سقوط هذين الدليلين الأساسيين في مدرسة الخلفاء عن الحجية يبقى ادعاء هذه المنزلة العليا لعموم الصحابة بلا دليل، وهو من جملة مصاديق الغلو، وفي مثل هذه الحالة لا يحق لمدرسة الخلفاء أن تتخذ ما تدعيه من المنزلة للصحابة مقياساً للغلو، وأن ترى أن الزيادة على هذه المنزلة المدعاة غلوّ.

2 ـ إن مذهب أهل البيت(عليهم السلام) يقوم أساساً على اعتبار أن الأئمة منصوبون من قبل الرسول(صلى الله عليه وآله)، وشرّاح لسنته وامتداد لرسالته، استناداً الى حقائق ثابتة لدى المسلمين كافة، كحديث الغدير[مسند الإمام أحمد: ج1 ص 135 / ح 642، سنن الترمذي : 5/2، ح 371، المستدرك على الصحيحين: 3/111]وحديث المنزلة[صحيح البخاري : 5/89 ح 202، صحيح مسلم: 4/1870 ح 2404 في ستة طرق، سنن الترمذي: 5 / ح 3730، الرياض النضرة: ج1 ص 117، الباب الرابع في مناقب أمير المؤمنين علي(عليه السلام)] وحديث الثقلين[صحيح مسلم : 4/1873، ح 2408 بعدة طرق و 5/663، ح 3788، و5 / 182، 189 و 3/14، 17، مسند أحمد: 190/4816، مصابيح السنّة: 4/185 ح 4800، المستدرك على الصحيحين: 3/148، مشكل الآثار: ج4 ص 168]، وفي مثل هذه الحالة لابد وأن تكون منزلتهم أقل من منزلة الرسول(صلى الله عليه وآله) وأعلى من منزلة سائر الاُمة، وفي نطاق هذين الحدّين لا يوجد شيء يمكن أن يوصف بالغلو، فكون منزلتهم أقل من منزلة الرسول(صلى الله عليه وآله) أمر من ضرورات مذهبنا، وكون منزلتهم أعلى من سائر الاُمة فهذا مقتضى إمامتهم على الاُمة، ولولا هذه المزية لما تصورت الإمامة فيهم.

والتاريخ خير شاهد على أن كل إمام من أئمة أهل البيت(عليهم السلام)كان أفضل أهل زمانه علماً وعملاً. وأن منزلةً تتقوم بهذين الحدّين من شأنها أن تحارب الغلو وتنبذه وتميّزه عن الاتجاه الصحيح.

أما العصمة والنص والوصية والإلهام الإلهي والولاية وغيرها، مما تعتقده مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) للأئمة الاثني عشر من خصائص، فقد أثبتها أعلام هذه المدرسة في تراثهم الكلامي قديماً وحديثاً، إستناداً الى العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المدوّنة في المصادر السنّية والشيعية معاً.

أما العصمة فدليلها الواضح قوله تعالى: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا)[الأحزاب : 33] ومن الواضح أن الآية في سياق بيان صفة خاصة لأهل البيت(عليهم السلام) لا يمكن أن نفسّرها بأنها على غرار قوله تعالى: (ولكن يريد ليطهّركم وليتمّ نعمته عليكم...)[المائدة : 6]

الواردة في سياق بيان صفة عامة لجميع المؤمنين، لأنّ الآية السابقة سوف تفقد معناها الخاص بها والمؤكد فيها.

فإنّ أهل البيت(عليهم السلام) من جملة المؤمنين المشمولين بالآية الثانية، فما معنى تخصيصهم من بين الاُمة بخطاب خاص، يحمل ثلاثة تأكيدات على التطهير «يذهب عنكم الرجس، يطهّركم، تطهيرا». فهناك تطهير أدنى يشمل الاُمة كلها بما فيهم أهل البيت(عليهم السلام)أنفسهم، وهناك تطهير أعلى مؤكد وخاص بأهل البيت، وهو العصمة عن الذنوب مع القدرة عليها، وإذا كان الفخر الرازي قد آمن في تفسيره[التفسير الكبير : ج 10 /ص 144] بعصمة أهل الحلّ والعقد من الاُمة فمن الأولى أن نؤمن بعصمة أهل البيت(عليهم السلام)الذين خصّهم الله بمزية الحد الأعلى من التطهير. وقد نصّت روايات الفريقين على أن أهل بيته(صلى الله عليه وآله) هم: علي وفاطمة والحسن والحسين، دون نسائه[انظر: صحيح مسلم : ح 2404، 2408، 2424 رواية زيد بن أرقم، ورواية عائشة، سنن الترمذي: ح 3205 رواية اُم سلمة، أسباب النزول، للواحدي: 200 ].

وأما النص والوصية فيهم فدليله الواضح; كحديث الغدير، وحديث الثقلين، وحديث المنزلة، وحديث أن الأئمة اثنا عشر وأنهم كلهم من قريش، والذي لا ينطبق على الخلفاء الراشدين، ولا على خلفاء بني اُمية، ولا على خلفاء بني العباس، لأن هذا العدد «12» لا ينطبق على أي واحدة من هذه المجاميع الثلاثة، وهكذا الأمر في باقي الخصائص. ومن أراد التفصيل فعليه بمراجعة مؤلفات أعلام الإمامية القدامى منهم والمحدثين في مثل هذه الموضوعات، وفي مقدمتها كتاب المراجعات للعلامة السيد عبدالحسين شرف الدين العاملي.

3 ـ إن في تراث مدرسة الخلفاء والصحابة نقولات تأريخية وحديثية كثيرة عن معاجز وكرامات تحققت لبعض الصحابة والأولياء والبسطاء من الناس، كتكلّم زيد بن خارجة بعد الموت[الاستيعاب: 1/192، تاريخ ابن كثير : 6/156]، وتكلّم أحد الأنصار بعد القتل[تاريخ ابن كثير : 6/158]، وأمثال ذلك كثير جداً[وقد جمع العلاّمة الأميني بعض هذه النقولات في الجزء الحادي عشر من كتابه الغدير: 103 ـ 115 تحت عنوان «الغلو الفاحش».].

فإذا كانت مثل هذه الكرامات والمعاجز أمراً ممكناً قد تحقق فعلاً للبسطاء من الناس، والاعتقاد بها لا يعد غلواً، فلماذا كان الاعتقاد بتلك الخصائص التي تؤمن بها مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)بحق الأئمة الاثني عشر غلواً ؟

على أن مدرسة أهل البيت تحضى بامتياز نوعي في هذا المجال من جهتين :

أ ـ إن هذه الخصائص التي آمنت بها هي خصائص الإمامة بما هي رابطة ربانية وعهد إلهي، فهي لا تجتمع في أي أحد من الناس، وإنّما تجتمع في أفراد قد تم اعدادهم اعداداً خاصاً للقيام بوظيفة الإمامة بما هي استمرار لوظيفة النبوة والرسالة.

ب ـ إن هذه الخصائص تحضى بسند قرآني ونبوي متين، بينما لا تحضى تلك النقولات بسند من هذا القبيل، ومع خلوّها حتى عن السند التأريخي كيف يصح الإيمان بها؟

ومع وجود فارق نوعي كبير بين الاعتقاد بخصائص الأئمة المذكورة، وبين تلك النقولات التأريخية، هل من الانصاف أن نقول بأن الاعتقاد بتلك الخصائص غلو، والاعتقاد بتلك النقولات المغالية لا يكون غلوّاً؟!!


والخلاصة التي نخرج بها من هذا البحث هي:
1 ـ إن الكتاب والسنّة لا يدلان على أن هناك مكانة خاصة لكل من حمل وصف الصحبة للنبي(صلى الله عليه وآله)، وكيف يكون ذلك في شريعة مقياسها الثابت هو الإيمان والعمل الصالح والتقوى، فإن كانت صحبة صاحب النبي مقرونة بهذه المعاني، وكان محافظاً عليها حتى آخر عمره كان مستحقاً لهذه المكانة، وإلاّ فلا، وحينئذ فمثل هذه المكانة لا يمكن إثباتها لكل الصحابة، والمقطوع به أن جملةً منهم لا يستحقونها بنص القرآن الكريم كما مرّ.

2 ـ إن ثبوت هذه المكانة لمن استحقها من الصحابة لا تدل على استحقاقه لخلافة الرسول وتولي قيادة التجربة الإسلامية من بعده، فقد يرضى الأب عن ابنه بلحاظ خصوصيات معينة، ولكنه في الوقت نفسه لا يراه مؤهلاً لتفويض مسؤولية الاُسرة والممتلكات إليه من بعده. فالرضا عن الشخص لا يستلزم استعداده لتفويض شؤون الرسالة والاُمة والتجربة اليه.

فإن مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) تؤمن بثبوت مجموعة من الفضائل لبعض صحابة النبي(صلى الله عليه وآله)، وتناقش في تعميم هذه الفضائل لكل من صحب النبي(صلى الله عليه وآله)، ولا تؤمن بأن هذه الفضائل وحدها هي الأساس في استحقاق الإمامة والخلافة. فتعميم الفضائل إفراط وغلو، واتخاذها أساساً في الإمامة والخلافة تفريط.

3 ـ ومن هنا آمنت هذه المدرسة بأن الإمامة والخلافة لا تقام إلاّ على أعلى المؤهلات التي يمكن للإنسان أن يحوزها، ويمكن للسماء أن تفيضها، وهي العصمة والنص والوصية والأفضلية في العلم، فليس هناك غلو في فضائل الأفراد، وإنّما هو تحفّظ شديد على موقع خطير في رسالة سماوية خاتمة لا رسالة بعدها. ومن هنا قال الإمام علي(عليه السلام) في حق أهل البيت(عليهم السلام)

«لا يقاس بآل محمد(صلى الله عليه وآله)من هذه الاُمة أحد، ولا يسوّى بهم... هم أساس الدين وعماد اليقين... ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة»[نهج البلاغة: نهاية الخطبة الثانية].

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2009, 05:45 PM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
حيدر الكربلائي
الدم الأحمر تفجر
الطويرجاوےِ

 
الصورة الرمزية حيدر الكربلائي
 
وسام الإدارة ADMIN3 وسام الوفاء 
مجموع الاوسمة: 3 (أكثر» ...)
إحصائية العضو









حيدر الكربلائي غير متواجد حالياً

 

 

 

افتراضي


التوسّل

مقدّمة:

إن حقيقة التوسل قد رسم صورتها القرآن الكريم، حين قال الله سبحانه مخاطباً المؤمنين: (يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون)[المائدة : 35]. فإنّ هذه الآية الكريمة قد عدت التقوى والجهاد من الوسائل المشروعة التي بامكان الإنسان أن يتّخذها سبباً للوصول إليه سبحانه .

وهل توجد وسائل اُخرى قد ندبت إليها الشريعة، أم أنّ الأمر متروك للإنسان وباستطاعته أن يخترع وسائل اُخرى يتقرب بها إليه؟

من الواضح أن الوسائل التي يمكن أن يتقرب بها العبد الى الله سبحانه لا تخضع للاجتهاد، إذ القرب الى الله وطرق تحقق القرب تحتاج الى إرشاد إلهي، ومن هنا تصدت لبيانها الشريعة، فنصت عليها وحددتها في الكتاب والسنّة، وكل وسيلة سوى ما نصت عليها الشريعة بشكل خاص أو عام فهي ضرب من البدع والضلال.

وقد أشار الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) الى الوسائل التي يتقرب بها العبد إليه سبحانه، بقوله:

إن أفضل ما توسل به المتوسّلون الى الله سبحانه وتعالى، الإيمان به وبرسوله والجهاد في سبيله، فإنه ذروة الإسلام، وكلمة الاخلاص فإنّها الفطرة، وإقام الصلاة فإنها الملّة، وإيتاء الزكاة فإنها فريضة واجبة، وصوم شهر رمضان فإنه جُنّة من العقاب، وحجُّ البيت واعتماره فإنهما ينفيان الفقر ويرحضان[رحضه ـ كمنعه ـ : غسله] الذنب. وصلة الرحم فإنها مثراة في المال، ومنسأة في الأجل، وصدقة السرُّ فإنها تكفّر الخطيئة، وصدقة العلانية فإنها تدفع ميتة السوء وصنائع المعروف فإنها تقي مصارع الهوان[نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح : الخطبة 110 / 163].

وأرشد القرآن الكريم الى السيرة الحميدة والمطلوبة للمسلمين، فقال عزّ من قائل: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً)[النساء : 64] ولا تنحصر هذه الممارسة الممدوحة بحال حياة الرسول(صلى الله عليه وآله) بين المسلمين، بعد أن قال الله تعالى : (ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربّهم يرزقون)[آل عمران: 169] فهي إذاً عبادة سارية المفعول بعد وفاته(صلى الله عليه وآله)أيضاً وقد فهم المسلمون جواز ذلك ومارسوها بعد وفاته، كما ذهب إليه بعض المفسرين[تفسير ابن كثير 1/532].

إذاً لا مانع من العلاقة مع الله وطلب غفران الذنوب منه، أو طلب نيل الحوائج الدينية والدنيوية عن طريق التوسل بالنبي(صلى الله عليه وآله)، ليستغفر لهم باعتبار قربه من الله وكونه وجيهاً عنده. وهذا طريق قد ندب إليه الشرع وعيّنه القرآن الكريم.

ولمزيد من التوضيح نتابع البحث في النقاط التالية:

أولاً: التوسل في اللغة والاصطلاح.

ثانياً: الآراء في حكم التوسل.

ثالثاً: جواز التوسل في القرآن.

رابعاً: التوسل في الأحاديث النبوية.

خامساً: التوسل في سيرة المسلمين.

سادساً: التوسل عند أهل البيت(عليهم السلام).

سابعاً: مناقشة المفكرين بجواز التوسل ومشروعيته.


أولاً: التوسّل في اللغة والاصطلاح:

جاء في لسان العرب: الوسيلة عند الملك. والوسيلة: الدرجة، والوسيلة: القربة، ووسل فلان الى الله وسيلةً إذا عمل عملاً تقرب به إليه. والواسل: الراغب الى الله، قال لبيد:

أرى الناس لا يدرون ما قدرُ أمرهم*** بلى كلُّ ذي رأي الى الله واسل

وتوسل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه بعمل، وتوسل إليه بكذا: تقرب إليه بحرمة آصرة تعطفه عليه. والوسيلة: الوصلة والقُربى، وجمعها الوسائل، قال الله تعالى: (اُولئك الذين يدعون يبتغون الى ربّهم الوسيلة أيُّهم أقرب)[لسان العرب لابن منظور جزء 11 مادة وسل].

وسائر معاجم اللغة قد تناولت الوسيلة بشيء من التماثل، لأن معناها من المفاهيم الواضحة وحقيقتها لا تتجاوز اتخاذ شيء ذريعة الى أمر آخر يكون هو المقصود والمبتغى وهي تختلف حسب اختلاف المقاصد.

فمن ابتغى رضى الله سبحانه، يتوسل بالأعمال الصالحة التي بها يكتسب رضاه، ومن أراد زيارة بيت الله الحرام يتوسل بما يوصله إليها[التوسل في الشريعة الاسلامية، جعفر السبحاني: 17].

قال ابن كثير في التوسل : أن يجعل الإنسان واسطة بينه وبين الله ليقضي حاجته بسبب الواسطة[تفسير ابن كثير : 1/532].


ثانياً ـ الآراء في حكم التوسّل:

وقبل أن نتعرض الى أدلة التوسل ومشروعيته ثم مناقشتها يجدر بنا أن ننقل مجمل الآراء التي وردت بشأن التوسل جوازاً ومنعاً.


الرأي الأول: المنع من التوسّل

وقال به الألباني واعتبره من الضلال في كتابه (التوسل أنواعه، أحكامه) وقال في مقدمة (شرح الطحاوية)[البشارة والاتحاف للسقاف : 52 نقلاً عن شرح الطحاوية : 60]: إن مسألة التوسل ليست من مسائل العقيدة.

ومن القائلين بالمنع محمد بن عبدالوهاب، حيث يقول: «إذا قال لك بعض المشركين (يعني المسلمين غير الوهابيين) (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)[يونس : 62] أو أن الشفاعة حق، أو أن الأنبياء لهم جاه عند الله، أو ذكر كلاماً للنبي يستدل به على باطله (يعني الشفاعة و...) وأنت لا تفهم، (أي لا تقدر على جوابه) فجاوبه بقولك: إن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه»[كشف الشبهات لمحمد عبدالوهاب : 60].

ومن القائلين بالمنع عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، حيث يقول:

«من سأل النبي وطلب منه الشفاعة فقد نقض إسلامه»[مخالفة الوهابية للقرآن والسنّة لعمر عبدالسلام : 20، نقلاً عن العقيدة الصحيحة ونواقض الاسلام لعبد العزيز بن عبدالله بن باز ].


الرأي الثاني: القول بالجواز

وذهب إليه الشوكاني الزيدي فقد أجاز التوسل في كتابه «تحفة الذاكرين» بقوله: «ويتوسل الى الله سبحانه بأنبيائه والصالحين»[تحفة الذاكرين للشوكانى: 37].

وأجازه السمهودي الشافعي، حيث قال: «قد يكون التوسل به(صلى الله عليه وآله) بطلب ذلك الأمر منه، بمعنى أنه(صلى الله عليه وآله)قادر على التسبب فيه بسؤاله وشفاعته الى ربّه، فيعود الى طلب دعائه وإن اختلفت العبارة. ومنه قول القائل له أسألك مرافقتك في الجنّة... ولا يقصد به إلاّ كونه(صلى الله عليه وآله) سبباً وشافعاً»[وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى للسمهودي: 2/1374].

ونقل ابن تيمية عن أحمد بن حنبل في (منسك المروزي) التوسل بالنبي(صلى الله عليه وآله) والدعاء عنده. ونقل ذلك أيضاً عن ابن أبي الدنيا والبيهقي والطبراني بطرق عديدة شهد لها بالصحة[التوسل والوسيلة: لابن تيمية : 144 ـ 145 ط دار الآفاق سنة 1399 هـ ].

ومن القائلين بالجواز، الإمام الشافعي، فقد قال: «إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء الى قبره كل يوم، فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت الى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد أن تقضى»[تاريخ بغداد : 1/123 باب ما ذكر فى مقابر بغداد].

فمن القائلين بالجواز: أبو علي الخلال شيخ الحنابلة، حيث قال: «ما همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر(عليه السلام)، فتوسلت به إلاّ سهّل الله تعالى لي ما أحب»[تاريخ بغداد : 1/120 باب ما ذكر فى مقابر بغداد].

أما الشيعة الإمامية فقد قالوا: يجوز التوسل بالنبي(صلى الله عليه وآله)، والأئمة(عليهم السلام)، في قضاء الحوائج وتفريج الكرب بعد موتهم، كما يجوز حال حياتهم، لعدم كون ذلك من خطاب المعدوم أوّلاً، ولا كونه شركاً ثانياً[ البراهين الجلية في دفع تشكيكات الوهابية، السيد محمد حسن القزويني الحائري: 30].


الرأي الثالث: التفصيل بين أنواع التوسل

وهذا الرأي لابن تيمية لكنّنا نجده في مسألة التوسل مضطرب الرأي، فهو بين النكران مرّة والجواز اُخرى والتقسيم ثالثة. ففي معرض تقسيمه لصور التوسل قد أباح اثنتين وحرّم الثالثة. قال: لفظ التوسل يُراد به ثلاثة معان:

أحدها: التوسل بطاعة النبيّ والإيمان به. وهذا هو أصل الإيمان والإسلام ومن أنكره، فكفره ظاهر للخاصة والعامة.

والثاني : التوسل بدعائه وشفاعته ـ أي أن النبيّ هنا هو الذي يدعو ويشفع مباشرة ـ وهذا كان في حياته، ويكون يوم القيامة يتوسّلون بشفاعته. ومن أنكر هذا فهو كافر مرتدّ يُستتاب، فإن تاب وإلاّ قُتل مرتداً.

والثالث: التوسل بشفاعته بعد موته، والإقسام على الله بذاته وهذا من البدع المُحدثة»[انظر التوسل والوسيلة: 13، 20، 50] .


ثالثاً: جواز التوسّل في القرآن الكريم

أقرّ الأنبياء والصالحون حقيقة التوسل كعبادة مشروعة لا غبار عليها، وقد نقل لنا القرآن الكريم الكثير من الموارد التي توسل فيها الناس بالأنبياء والأولياء تقرّباً الى الله تعالى; وكانت تتحقق فيما بعد دعواتهم وتستجاب طلباتهم . فمن هذه الموارد المنصوص عليها في الكتاب الكريم:

أ ـ قال تعالى: (واُبرئ الأكمه والأبرص واُحيي الموتى بإذن الله)[آل عمران : 49].

هنا نجد الناس قد توسلوا بعيسى(عليه السلام)، لكن هذا التوسل لم يكن ناشئاً من اعتقادهم بأن لعيسى قدرة غير القدرة الإلهية، وإنما كان ناشئاً من إيمانهم، بأن لعيسى قدرة تمكنه من شفاء المرضى بإذن الله، لكونه وجيهاً عند الله، فهذا لا يُعد شركاً; إذ الشرك هو اعتقاد قدرة مستقلة عن قدرة الله لعيسى(عليه السلام)،وهذا لا يقول به أحد من المسلمين.

ب ـ قال تعالى: (قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا)[يوسف : 97].

إنّ أبناء يعقوب لم يطلبوا المغفرة من يعقوب بمعزل عن القدرة الإلهية، وإنما جعلوا يعقوب(عليه السلام)واسطة في طلب المغفرة بسبب كونه مقرباً وذا جاه عنده سبحانه. وهذا واضح من خلال جواب يعقوب لابنائه (قال سوف استغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم)[يوسف : 98].

ج ـ قال تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً)[النساء : 64].

وتشير الآية الى مقبولية استغفار رسول الله(صلى الله عليه وآله)للمسلمين التائبين لأن لرسول الله(صلى الله عليه وآله)جاهاً عظيماً عند الله سبحانه.

وتؤكد في الوقت نفسه أهمية مجيئ أبناء الأمة المسلمة لرسول الله(صلى الله عليه وآله) من أجل طلب المغفرة لهم[انظر: مخالفة الوهابية: 22، عمر عبدالسلام].


صورة التوسّل كما يرسمها القرآن الكريم

[انظر التوسل للسبحانى من 21 ـ 67]

حثّ الله سبحانه في القرآن الكريم عباده المؤمنين على التوسل، وأجاز التوسّل بأشكال مختلفة، وفيما يلي نورد صورة مجملة لأنواع التوسل المشروع في القرآن الكريم:

أ ـ التوسّل بأسماء الله سبحانه وتعالى
قال تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون)[الأعراف: 180].

والآية تصف أسماء الله كلها بالحسنى من غير فرق، ثم تأمر بالدعاء عن طريقها.

فعندما يذكر العبد أسماءه التي تضمنت كل الخير والجمال والرحمة والمغفرة والعزّة ثم يتقدم العبد نحو الله بطلب المغفرة من الذنوب وقضاء الحوائج، يستجيب سبحانه لدعوة المتوسل بأسمائه.

ب ـ التوسّل بالأعمال الصالحة
فإنّ العمل الصالح يُعد من الوسائل المشروعة التي يتقرب بواسطتها العبد الى الله سبحانه، فلما كان التوسل يعني تقديم شيء ما لساحة الربّ من أجل نيل رضاه، فلاشك أن العمل الصالح يعتبر من أفضل الوسائل التي يتمسك بها العبد لغرض تحقيق حوائجه، قال تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربّنا تقبّل منّا إنّك أنت السميع العليم* ربّنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذرّيتنا اُمّة مسلمة لك وأرِنا مناسكنا وتب علينا إنّك أنت التواب الرحيم)[البقرة : 127 ـ 128].

والآية هنا تؤكد الصلة بين العمل الصالح ـ وهو بناء البيت ـ والدعاء الذي كان يرغب في تحققه النبي إبراهيم(عليه السلام) ـ وهو قبول الأعمال الصالحة ـ وأن تكون من ذرّيته اُمّة مسلمة.

كما يؤكد قوله تعالى: (الذين يقولون ربّنا إننا آمنّا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار)[ آل عمران: 16].

فترى أنه عطف طلب الغفران بالفاء، على قوله: (ربّنا إنّنا آمنّا) ففاء التفريع تعرب عن الصلة بين الإيمان وطلب الغفران.

ج ـ التوسّل بدعاء الرسول
أشار القرآن الكريم الى مكانة الرسول(صلى الله عليه وآله) وعظمته وقيمته عند الله سبحانه، والفرق بينه وبين باقي الناس، بقوله: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً)[النور : 63].

وأشار القرآن الكريم أيضاً الى أن الرسول(صلى الله عليه وآله) هو أحد الأمانين في الأرض، بقوله: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون)[الأنفال : 33].

ثم نجد القرآن في أكثر من موضع يقرن ذكره سبحانه باسم الرسول(صلى الله عليه وآله) وينسب اليهما فعلاً واحداً، فيقول: (وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون الى عالم الغيب والشهادة)[ التوبة: 94] ويقول: (وما نقموا إلاّ أن أغناهم الله ورسوله من فضله)[التوبة: 74] الى غير ذلك من الآيات التي ورد فيها اسم الرسول مقروناً باسم الله سبحانه، فإذا كانت هذه منزلة الرسول(صلى الله عليه وآله) عند الله فلا يرد دعاؤه وتستجاب دعوته، والمتمسك بدعائه يكون متمسكاً بركن وثيق.

ولذا نجد الله سبحانه يأمر المذنبين من المسلمين بالتمسك بدعائه ويستغفروا الله في مجلسه، ويسألونه أن يستغفر لهم أيضاً ليكون استغفاره لهم سبباً لنزول رحمته وقبول توبتهم، قال سبحانه: (وما أرسلنا من رسول إلاّ ليطاع بإذن الله ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً)[النساء: 64].

وفي هذا المعنى قوله تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لوّوا رؤوسهم ورأيتهم يصدّون وهم مستكبرون)[المنافقون: 5].

د ـ التوسل بدعاء الأخ المؤمن
قال تعالى: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا ربّنا إنك رؤوف رحيم)[الحشر : 10].

إذ تدل الآية الكريمة على أن المؤمنين اللاحقين يستغفرون للسابقين من اخوتهم، وهذا يدل على أن دعاء الأخ في حق أخيه أمر مرغوب فيه ومستجاب.

هـ ـ التوسل بالأنبياء والصالحين أنفسهم
وهذا القسم غير القسم السابق الذي هو التوسل بدعاء الرسول، وإنّما هو التوسل بذوات الأنبياء والصالحين وجعلهم وسيلة لاستجابة الدعاء والتنويه بما لهم من المقام والمنزلة عند الله سبحانه.

فإذا كنا قد توسلنا بدعاء الرسول عند الله كوسيلة إليه. ففي هذا القسم نجعل نفس الرسول وكرامته وسيلة الى الربّ تعالى . ومن المعلوم أن الوسيلة هي الدعاء النابع من تلك الشخصية التي كرّمها الله وعظّمها ورفع مقامها كما في قوله تعالى:

(ورفعنا لك ذكرك)[الانشراح: 4].

وأمر المسلمين بتكريمه وتعزيره، حيث قال: (فالّذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتّبعوا النور الذي أنزل معه اُولئك هم المفلحون)[ الأعراف: 157].

فإذا كان رصيد استجابة الدعاء هو شخصيته الفذّة المثالية ومنزلته عند الله، فالأولى أن يتوسل بها الإنسان كما يتوسل بدعائه، فمن اعترف بجواز الأول ومنع عن الثاني فقد فرق بين أمرين متلازمين.

وهذا النوع من التوسل يدعمه ما ورد في السنّة النبوية مروياً عن طريق صحيح أقرّ به الأقطاب من أهل الحديث[راجع الترمذي، كتاب الدعوات، الباب 119 برقم 3578 : 5 / 531 وسنن ابن ماجة 1 / 441 برقم 1385. ومسند أحمد: 4/138 ح 16789].

و ـ التوسل بحق الصالحين وحرمتهم ومنزلتهم
فإن المتتبع لسيرة المسلمين سيجدها حافلة بهذا النوع من التوسل، أي إنهم يتوسلون بمنازل الصالحين وحرمتهم عند الله وحقّهم عليه.

روى مسلم عن معاذ بن جبل(رضي الله عنه) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «هل تدري ما حق الله على العباد؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم سار ساعة ثم قال: يا معاذ قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم»[صحيح مسلم بشرح النووي: 1/230 و 231 و 232].

فتحصل أن القرآن الكريم نقل لنا سيرة الأنبياء والصالحين من عباده في التوسل، ثم طرح لنا عدداً من أنواعه المشروعة، وكونه لا يختص بالدعاء فقط، ليفرق بين ذات النبي ودعائه، بل يشمل ذات النبي أيضاً.


رابعاً: التوسّل في الأحاديث النبويّة الشريفة

وردت عدة أحاديث تدل على جواز التوسل بالنبي(صلى الله عليه وآله)أو بالأولياء الصالحين.

1 ـ عن عثمان بن حنيف أنه قال: إن رجلاً ضريراً أتى النبي(صلى الله عليه وآله)فقال: ادعُ الله لي أن يُعافيني.

فقال(صلى الله عليه وآله): إن شئت أخرت لك وهو خير، وان شئت دعوت. فقال: ادْعُه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء : «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بمحمّد نبي الرحمة. يا محمّد إني قد توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتُقضى . اللهم فشفّعه فيَّ»[سنن ابن ماجة: 1 / 441 الحديث 1385 ومسند أحمد: 4 / 138 ح 16789 ومستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري: 1 / 313 والجامع الصغير للسيوطي: 59 ومنهاج الجامع: 1 / 286].

وهذا الحديث لا اشكال في صحته حتى أنّ ابن تيمية اعتبره صحيحاً وقال: بأن المقصود من أبي جعفر الموجود في سند الحديث هو أبو جعفر الخطمي وهو ثقة.

أما الرفاعي فيقول: لاشك أن هذا الحديث صحيح ومشهور، وقد ثبت فيه ـ بلا شك ولا ريب ـ ارتداد بصر الأعمى بدعاء رسول الله[التوسل للسبحاني: 69، نقلاً عن التوصل الى حقيقة التوسل للرفاعي: 158].

وقد أورد هذا الحديث النسائي والبيهقي والطبراني والترمذي والحاكم في مستدركه[سنن الترمذي : 5 / 531 ح 3578، السنن الكبرى للنسائي: 6، 169، ح 10495].

وبهذا الحديث تتأكد شرعية التوسل، حيث نجد رسول الله(صلى الله عليه وآله)قد علّم الرجل الضرير كيف يتوسل الى الله بنبيه نبي الرحمة، ويشفّعه لقضاء حاجته، والمقصود بالنبي هو نفس النبي لا دعاؤه، والتوجه الى الله بجاه النبي ووسيلته.

2 ـ روى عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله(صلى الله عليه وآله)قال: من خرج من بيته الى الصلاة فقال: اللّهم إني اسألك بحق السائلين عليك، واسألك بحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج اشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سُمعة، خرجتُ اتقاء سَخَطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت»، أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك[سنن ابن ماجة: 1/256 الحديث 778 باب المشى الى الصلاة].

إنّ هذا الحديث يدل على جواز التوسل الى الله بحرمة أوليائه الصالحين، ومنزلتهم ووجاهتهم عنده سبحانه، فيجعل اُولئك وسطاء وشفعاء لقضاء حاجته واستجابة دعائه.

3 ـ عن أنس بن مالك قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد دخل عليها رسول الله(صلى الله عليه وآله) فجلس عند رأسها فقال: «رحمك الله يا اُمي بعد اُمي. وذكر ثناءه عليها وتكفينها ببرده، ثم دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله) اُسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود لحفر القبر، فحفروا قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله(صلى الله عليه وآله) بيده، وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل رسول الله(صلى الله عليه وآله)فاضطجع فيه، ثم قال: الله الذي يُحيي ويُميت وهو حيٌّ لا يموت، اغفر لاُمي فاطمة بنت أسد، ووسع عليها مدخلها، بحق نبيّك والأنبياء الذين من قبلي»[كشف الارتياب: 312، نقلاً عن وفاء الوفاء والدرر السنّية : 8].

4 ـ روي أن سواد بن قارب أنشدَ لرسول الله(صلى الله عليه وآله)قصيدته التي يتوسل فيها بالنبي وفيها يقول:

وأشهد أن الله لا ربّ غيرهُ***وأنك مأمون على كلّ غائبِ

وانك أدنى المرسلين وسيلة***الى الله يابن الأكرمين الأطائبِ

فمرنا بما يأتيك يا خير مُرسل***وإن كان فيما فيه شَيبُ الذوائبِ

وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة***سواك بمغن عن سواد بن قاربِ[الدرر السنية : 27، والتوصل الى حقيقة التوسل: 300، فتح الباري: 7/137]


خامساً: التوسّل في سيرة المسلمين

لقد جرت سيرة المسلمين أثناء حياة الرسول(صلى الله عليه وآله) وبعد مماته على التوسل بالرسول(صلى الله عليه وآله)وبأولياء الله والاستشفاع بمنزلتهم عنده وفيما يلي نماذج من تلك السيرة:

أ ـ إن أبا بكر بعدما توفي رسول الله، قال: (اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن في بالك)[الدرر السنّية فى الرد على الوهابية: 36].

ب ـ قال الحافظ أبو عبدالله محمد بن موسى النعماني في كتابه مصباح الظلام: إن الحافظ أبا سعيد السمعاني ذكر فيما روينا عنه عن علي بن أبي طالب(عليه السلام)، أنه قال: «قدم علينا اعرابي بعدما دفنّا رسول الله(صلى الله عليه وآله)بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر النبي(صلى الله عليه وآله) وحثا من ترابه على رأسه، وقال: يا رسول الله، قلت فسمعنا قولك، ووعيت عن الله سبحانه ووعينا عنك، وكان فيما أنزل (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسم جاءوك فاستغفروا الله...) وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي فنودي من القبر: إنه قد غفر لك»[وفاء الوفاء للسمهودي: 2/1361].

ج ـ كان رسول الله قد علّم رجلاً أن يدعو فيسأل الله ثم يخاطب النبيّ فيتوسل به ثم يسأل الله قبول شفاعته، فيقول: «اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيّك نبي الرحمة «يا محمد يا رسول الله إنّي أتوسل بك الى ربّي في حاجتي لتقضى لي، اللهم فشفّعه فيّ»[مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية : 1/18].

د ـ جاء في صحيح البخاري ان عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبدالمطلب(رضي الله عنه) وقال: اللهم كنا نتوسل اليك بنبيّنا فَتُسقينا، وإنا نتوسل اليك بعم نبيّنا فاسقنا. قال: فيُسقون[صحيح البخاري: باب صلاة الاستسقاء : 2/32 الحديث 947].

هـ ـ سأل المنصور العباسي مالك بن أنس ـ إمام المالكية ـ عن كيفية زيارة رسول الله(صلى الله عليه وآله)والتوسل به... فقال لمالك:

«يا أبا عبدالله أستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله؟ فقال مالك في جوابه: لِمَ تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم الى يوم القيامة؟! بل استقبله واستشفع به فيُشفّعك الله، قال الله تعالى: (ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم...)[عن وفاء الوفاء للسمهودي: 2/1376].

و ـ قال الشافعي هذين البيتين من شعره متوسلاً بآل الرسول(صلى الله عليه وآله):

آل النبي ذريعتي*** وهم اليه وسيلتي

أرجو بهم اُعطى غداً***بيدي اليمين صحيفتي[الصواعق المحرقة: 274]

من خلال الأدلة والبراهين والشواهد التاريخية، سابقة الذكر يمكن القول : بأن الأنبياء والصالحين من عباده يعدون من الوسائل المشروعة التي عناها الله تعالى بقوله: (يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة)[المائدة: 35]. والوسيلة هنا تشمل المستحبات ولا تنحصر في أداء الواجبات واجتناب المحرمات.


سادساً: التوسّل عند أهل البيت(عليهم السلام)

إن ائمة أهل البيت(عليهم السلام) قد حثّوا كثيراً على التوسل بالقرآن وبأولياء الله وغيرهما، ومن راجع كتب الإمامية وجوامعهم الحديثية وكتب الأدعية عندهم يجده أمراً واضحاً وجلياً بحيث لا يمكن التشكيك فيه، وإليك نماذج منها:

أ ـ روى الحارث بن المغيرة قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام)يقول: «إياكم إذا أراد أن يسأل أحدكم ربه شيئاً من حوائج الدنيا حتى يبدأ بالثناء على الله عزّ وجلّ والمدحة له والصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله) ثم يسأل الله حوائجه»[بحار الأنوار: ج93 كتاب الذكر والدعاء باب 17 ح 19].

ب ـ عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قال جابر الأنصاري: قلت لرسول الله(صلى الله عليه وآله): ما تقول في علي بن أبي طالب؟ فقال: ذلك نفسي، قلت: فما تقول في الحسن والحسين؟ قال : هما روحي، وفاطمة أُمّهما ابنتي يسوؤني ما ساءها ويسرّني ما سرّها، اُشهد الله أني حرب لمن حاربهم، سلم لمن سالمهم، يا جابر إذا أردت أن تدعو الله فيستجيب لك فادعه بأسمائهم فإنها أحب الأسماء الى الله عزّ وجلّ.

ج ـ عن النبي(صلى الله عليه وآله) : «اللّهم إني أتوجه إليك بمحمد وآل محمد وأتقرب بهم إليك وأقدمهم بين يدي حوائجي»[بحار الأنوار:ج 94، ب 28].

د ـ وكان الإمام علي أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول في دعائه :

«... بحقّ محمد وآل محمد عليك، وبحقّك العظيم عليهم أن تُصلّي عليهم كما أنت أهله وأن تعطيني أفضل ما أعطيت السائلين من عبادك الماضين من المؤمنين، وأفضل ما تعطي الباقين من المؤمنين»[الصحيفة العلوية للسماهيجي: 51].

هـ ـ وقال الإمام أبو عبدالله الحسين(عليه السلام) في دعاء عرفة:

«... اللهم إنّا نتوجّه إليك ـ في هذه العشية التي فرضتها وعظّمتها ـ بمحمد نبيّك ورسولك وخيرتك من خلقك»[اقبال الأعمال لابن طاووس: 2 / 85 ].

و ـ وقال الإمام زين العابدين (عليه السلام) في دعائه بمناسبة حلول شهر رمضان:

«... اللهم اني أسألك بحقّ هذا الشهر وبحقّ مَن تعبّد فيه ـ من ابتدائه إلى وقت فنائه ـ من ملك قربته أو نبي أرسلته أو عبد صالح اختصصته...»[الصحيفة السجادية : دعاء رقم 44].


سابعاً: مناقشة المنكرين لجواز التوسّل ومشروعيّته

قيل: لا يمكن التوسل بالموتى، وهذا عمل قبيح عقلاً، لعدم قدرة الميت على الإجابة، والتوسل به خطاب للمعدوم[راجع منهاج السنة، لابن تيمية].

إنّ هذا الادّعاء مردود ومعارض للقرآن الكريم، وإليك نماذج من الآيات القرآنية التي تنفي كون الموت من العدم.

1 ـ مثل قوله تعالى: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيّا)[مريم: 62 ].

وهذه الطائفة نازلة في حق المؤمنين، إذ تبيّن نوع الرعاية لهم في الدنيا والآخرة.

2 ـ وأصرح منها، قوله تعالى: (النار يعرضون عليها غدوّاً وعشيّاً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب)[غافر: 46] حيث يبيّن الله تعالى ما يجده من العصاة والكفار من العذاب في الحياة البرزخية، مما يدل على كونهم أحياء بعد الموت وقبل يوم القيامة. فإنّ قيام الساعة قد ذكر بعد عرضهم على النار غدواً وعشيّاً.

فإذا ثبت أن الموت ليس انعداماً وإنّما هو حياة، فهل يمكن الاتصال بالميت أم لا يمكن؟ بدعوى أن حياة البرزخ مانعة من الاتصال به.

والجواب : قد جاء في القرآن الكريم ـ مضافاً إلى ما ورد في السنّة الشريفة ـ ممّا يدل على إمكان اتصال الإنسان الموجود في الدنيا بالإنسان الحي في عالم البرزخ، ومن تلك النصوص ما يلي:

1 ـ في دعوة النبي صالح قومه إلى عبادة الله، وأمره بأن لا يمسوا معجزته ـ وهي الناقة ـ بسوء، وبعد أن عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم قال تعالى: (فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين* فتولّى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربّي ونصحت لكم ولكن لا تحبّون الناصحين)[الأعراف: 78 ـ 79].

فنرى أن الله يخبر على وجه القطع والبت بأن الرجفة أهلكت اُمة صالح(عليه السلام) فأصبحوا في دارهم جاثمين، وبعد ذلك يخبر أن النبي صالحاً تولى عنهم ثم خاطبهم قائلاً: (لقد أبلغتكم رسالة ربّي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين)[الاعراف: 93].

والخطاب صدر من صالح(عليه السلام) لقومه بعد هلاكهم وموتهم، بشهادة قوله (فتولّى) المصدرة بالفاء المشعرة بصدور الخطاب عقيب هلاك القوم.

2 ـ والنبي شعيب(عليه السلام) قد خاطب قومه بعد هلاكهم لقوله تعالى: (فتولّى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربّي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين)[الأعراف: 93 ].

وخطاب النبي شعيب(عليه السلام) لقومه قد صدر بعد هلاكهم، فهذا يؤكد امكانية الاتصال بهم. فلو لم يكن الهالكون بسبب الرجفة سامعين خطاب صالح وشعيب فما معنى خطابهما إياهم؟

ولا يصح أن يفسر ذلك بأنه خطاب تأسف لأنه خلاف الظاهر وغير صحيح حسب الاُصول التفسيرية.

أما الأحاديث الشريفة التي تشير إلى امكان الارتباط بالأرواح، فمنها:

1 ـ ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنه وقف على قليب (بدر) وخاطب المشركين الذين قتلوا واُلقيت جثثهم في القليب.

عن أنس بن مالك، قال: سمع أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله)رسول الله(صلى الله عليه وآله) من جوف الليل وهو يقول: يا أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا اُمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام فعدد من كان منهم في القليب: هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقاً؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً؟ فقال المسلمون: يا رسول الله، أتنادي قوماً قد جيفوا؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني[صحيح البخاري : 5/76 وسيرة ابن هشام: 2/639] .

2 ـ إن المسلمين ـ على اختلاف مذاهبهم ـ يسلمون على رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الصلاة عند ختامها فيقولون: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته»، وإن سنة رسول الله ثابتة له في حياته وبعد مماته، فلا انقطاع لصلاتنا وعلاقتنا بالنبي(صلى الله عليه وآله) .

فهذا السلام يدل على امكان الارتباط بروحه(صلى الله عليه وآله) لا بل تحتّم وقوعه .

3 ـ وجاء عنه(صلى الله عليه وآله): «من زارني بعد وفاتي وسلّم عليّ رددت عليه السلام عشراً، وزاره عشرة من الملائكة يسلّمون عليه، ومن سلّم عليّ في بيت ردّ الله عليّ روحي حتى اُسلم عليه»[ راجع سنن أبى داود: 2/218، كنز العمال : 10/38 طبقات الشافعية للسبكي: 3/406 ـ 408]

4 ـ وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي...»[كنز العمال : 5/135، ح 12372].

وإذا ثبت امكان الاتصال بالإنسان الموجود في حياة البرزخ، فهل يجوز الطلب منه والتوسل إليه بقضاء الحوائج، أم أنّ ذلك شرك بالله بدليل قوله تعالى: (إن الأمر كلّه لله)[آل عمران: 154]؟

والجواب: إنّ الأمر كله لله وبارادته، وبرضاه تحدث الاُمور، إلاّ أن ذلك لا ينافي ثبوت الشفاعة للأنبياء والأولياء في الدنيا والآخرة بعد الإذن من الله، كما يلاحظ ذلك في ثبوت الخلق وإحياء الموتى وشفاء المرضى لعيسى(عليه السلام) بعد الإذن من الله سبحانه.

ولما كانت الأشياء تجري على وفق قانون السببية نجد موسى(عليه السلام) يقول: (قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب اُخرى)[ طه : 18].

فالأنبياء مع عصمتهم قد استعانوا بغير الله حتى نزل في حق رسول الله(صلى الله عليه وآله)قوله يا أيّها النبيّ حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)[الأنفال : 64 ].

ومقتضى ظاهر الآية كون النبي مستمداً من الله ومن المؤمنين كاستمداد عيسى(عليه السلام)بالحواريين حيث قال: (مَن أنصاري الى الله)[آل عمران : 52 ] وكاستمداد موسى(عليه السلام) بأخيه هارون وقد أجابه سبحانه بقوله: (سنشد عضدك بأخيك)[القصص : 35]،[انظر البراهين الجلية للسيد محمد القزويني: 42].

ثم نجد الله سبحانه قد استنصر عباده بقوله: (إن تنصروا الله ينصركم)[محمد : 7] وقوله تعالى: (والذين آووا ونصروا اُولئك هم المؤمنون)[الأنفال : 74 ].

فلو اعترفنا بأن الاستعانة والتوسل بغير الله جائز لأنه بإذنه وبارادته لا مستقلاً عنها، فما هو وجه الاستعانة بالميت، مع أن الثابت هو الاستعانة بالنبي أو الولي في حياته لا في مماته؟

إنّ الصحابة لم ينكروا التوسل بالنبي حال حياته وبعد وفاته.


التوسّل بالأنبياء والصالحين بعد موتهم

ومن سيرة المسلمين التوسل بالنبي بعد وفاته(صلى الله عليه وآله).

1 ـ جاء في مسند أحمد:

«اللهمّ إني أسألك بحقّ السائلين عليك وبحقّ ممشاي هذا، فإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً و لا سمعة، خرجت إتّقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي فإنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت»[مسند أحمد: 3/21، وسنن ابن ماجة: 1/356].

في هذا الحديث دلالة واضحة على جواز التّوسل بالصالحين أنفسهم، وليس بدعائهم، وانّه لفظ عام يستوعب كل السائلين من لدن آدم(عليه السلام) الى يوم السائل بل يستوعب الملائكة ومؤمني الجن أيضاً، ولا يمكن حصره بالسائلين هذا اليوم أو من الأحياء، إذ لا دليل على هذا بحمل الحديث، ولا مخصّص له من خارجه أيضاً.[الزيارة والتوسل، صائب عبدالحميد: 142]

2 ـ جاء في النسائي والترمذي:

«اللهمّ إنّي أسألك وأتوسّل إليك بنبيّك نبي الرحمة، يا محمّد يا رسول الله إنّي أتوسل بك الى ربّي في حاجتي ليقضيها لي، اللهمّ فشفّعه فيَّ».

فهذا من الأدعية التي يتوسل بها المسلمون بالنبي(صلى الله عليه وآله) بعد مماته.


مناقشة ابن تيمية في توجيهه لهذا الدعاء

وقع الخلاف من قبل ابن تيمية ومقلديه من سلفية ووهابية في مسألة التوسل بالأنبياء والصالحين بعد موتهم، حيث يذهب هو الى عدم جواز التوسّل بالموتى، وإليك كلامه ثم المناقشة فيه:

ليس في التوسّل دعاء بالمخلوقين، ولا استغاثة بالمخلوق، وإنّما هو دعاء واستغاثة بالله، لكن فيه سؤال بجاهه، كما في سنن ابن ماجة، عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنّه ذكر في دعاء الخارج للصلاة أن يقول: «اللهمّ إنّي أسألك بحقِّ السائلين عليك... الحديث»، ففي هذا الحديث أنّه سأل بحقِّ السائلين عليه.. والله تعالى قد جعل على نفسه حقّاً.. (الى أن قال) وقالت طائفة: ليس في هذا جواز التوسّل به بعد مماته وفي مغيبه، بل إنّما فيه التوسّل في حياته بحضوره..

ثم أخذ ينتصر لهذا الرأي الأخير، قائلاً: وذلك التوسّل به أنّهم كانوا يسألونه أن يدعو لهم، فيدعو لهم، ويدعون معه، ويتوسّلون بشفاعته ودعائه، ومثّل لذلك بحديث الاعرابي: يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السبل فادعُ الله لنا أن يمسكها عنّا.

قال: فهذا كان توسُّلهم به في الاستسقاء ونحوه، ولمّا مات رسول الله(صلى الله عليه وآله)توسَّلوا بالعبّاس(رضي الله عنه) .. وكذلك معاوية بن أبي سفيان، استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي، وقال: اللّهمّ إنّا نستشفع إليك بخيارنا، يا يزيد ارفع يديك الى الله...

ثمّ ختم بقوله: ولم يذكر أحد من العلماء أنّه يشرع التوسّل والاستسقاء بالنبي والصالح بعد موته ولا في مغيبه، ولا استحبّوا ذلك في الاستسقاء ولا في الاستنصار ولا غير ذلك من الأدعية، والدعاء مخُّ العبادة[زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور: 37 ـ 43].

والخلط والتمويه والتناقض واضح في أكثر من موضع، من هذا الكلام نبدأ بالكشف عنه قبل تقديم الأدلّة على المطلوب.

1 ـ قد خلط بين التوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله) وبين التوسّل بالجاه، فالفرق واضح بين قولك: «يا محمّد، يا رسول الله إنّي أتوجّه بك الى الله» وبين أن تقول: «اللهمّ بحقّ السائلين عليك» أو «اللهمّ بحق محمد(صلى الله عليه وآله)» فالأوّل توجّه وتوسّل به، والثاني توجه وتوسّل بحقّه وجاهه ومنزلته، فهذان نوعان من التوسّل بالأنبياء والصالحين يدخلان في هذا القسم، وقد حمل ابن تيمية الأوّل على الثاني، وهو حمل غير صحيح.

2 ـ خلط هنا كما خلط من قبل بين التوجّه بالنبي(صلى الله عليه وآله) وبين طلب الدعاء منه، والفارق واضح، ولا يخفى أنّه صنع هذا تمويهاً، ليس إلاّ، ولذلك تراه عندما استدلّ بحديث الاعرابي أتى بفقرة منه وترك قوله الذي قدّمناه آنفاً: «يا رسول الله إنّا نستشفع بك على الله» الذي أقرّه النبي(صلى الله عليه وآله) .

3 ـ ناقض نفسه في النقل عن العلماء، ثمّ لجأ الى تقسيم الدعاء الى استسقاء وغيره تمويهاً على الأذهان لا غير، لأنه عاد فجمع كل أصناف الدعاء (ولا استحبّوا ذلك في الاستسقاء ولا في الاستنصار ولا في غير ذلك من الأدعية).

فقد نقل أوّلاً عن العلماء قولهم بجواز التوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله) في حياته وبعد مماته، ثمّ عاد يقول: ولم يذكر أحد من العلماء أنّه يشرع التوسّل والاستسقاء بالنبي والصالح بعد موته!!

ونأتي هنا على ما ينقض دعواه هذه بأدلّة أقرّ هو بصحة بعضها، ولم يذكر البعض الآخر بإثبات أو نفي.

أثبتنا ونؤكد أنّ ابن تيمية لم يجد نصّاً يستفيد منه النهي عن التوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله)، فطفق يحمِّل بعض النصوص ما لا تحتمل، وسنراه هنا كيف يدير ظهره لنصٍّ ثبتت صحّته لديه بنحو لا غبار عليه:

إنّه ينقل بطرق يعرف صحّتها عن الصحابي الجليل عثمان بن حنيف أنّه يعلّم الناس التوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله) في عهد عثمان بن عفّان، ثم يشفِّعه بأخبار مماثلة عن السلف.

يقول: روى البيهقي أنّ رجلاً كان يختلف الى عثمان بن عفّان في حاجة له، وكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي الرجل عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان بن حنيف: إئتِ الميضأة فتوضأ، ثم ائتِ المسجد فصلِّ ركعتين، ثمّ قال: «اللهمّ إنّي اسألك وأتوجّه إليك بنبيِّنا محمّد نبيِّ الرحمة، يا محمّد، إنّي أتوجّه بك الى ربّي ليقضي لي حاجتي»، ثم اذكر حاجتك، ثم رح حتى أروح معك.

فانطلق الرجل، فصنع ذلك، ثمّ أتى بعدُ عثمان بن عفّان، فجاء البوّاب فأخذ بيده فأدخله على عثمان فأجلسه معه على الطنفسة، وقال: انظر ما كانت لك من حاجة، فذكر حاجته فقضاها له.

ثمّ إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيراً، ما كان لينظر في حاجتي ولا يلتفت إليَّ حتى كلَّمْتَهُ فيَّ. فقال عثمان بن حنيف: ما كلّمته، ولكن سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله)وقد جاءه ضرير وشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي(صلى الله عليه وآله)«أوَتصبر» ثم ذكر الحديث المتقدّم.

قال البيهقي ـ والكلام ما زال لابن تيمية ـ : ورواه أحمد بن شبيب بن سعيد عن أبيه بطوله، ورواه أيضاً هشام الدستوائي، عن أبي جعفر، عن أبي اُمامة بن سهل، عن عمّه عثمان بن حنيف، ثم ذكر ابن تيمية لهذا الحديث أسانيد كثيرة، وصحّحها الى أن قال:

وروي في ذلك أثر عن بعض السلف، مثل ما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب (مجاني الدعاء) باسناده: جاء رجل الى عبدالملك بن سعيد بن أبجر، فجسّ بطنه فقال: بك داء لا يبرأ.

فقال الرجل: ماهو؟

قال: الدُبَيْلَة[الدُبَيلَة: دُمّل كبار تظهر في الجوف وتقتل صاحبها غالباً]!

فتحوّل الرجل، وقال: الله، الله، الله ربّي لا اُشرك به شيئاً، اللهمّ إنّي أتوجّه إليك بنبيّك محمّد نبيّ الرحمة صلّى الله عليه وسلّم تسليماً، يا محمّد، إنّي أتوجه بك الى ربّك وربّي يرحمني ممّا بي.

قال: فجسّ بطنه، فقال: برئتَ، ما بك علّة..

أضاف ابن تيمية قائلاً: فهذا الدعاء ونحوه قد روي أنّه دعا به السلف، ونُقل عن أحمد بن حنبل في (منسك المروزي) التوسّل بالنبي (صلى الله عليه وآله) في الدعاء[انظر التوسّل والوسيلة: 97، 98، 101 ـ 103].

هكذا يشهد على بطلان رأيه، وبطلان دعواه السابقة في أنّه لم ينقل عن أحد من السلف التوسّل به(صلى الله عليه وآله) بعد موته، هذه الدعوى التي أصرّ عليها، وصدّر بها لكتابه (التوسّل والوسيلة)[التوسّل والوسيلة: 18].

وبهذا يثبت أنّه لم يكن على شيء في ما ذهب إليه، غير اصرار على رأي باطل تشهد الأدلّة الثابتة على بطلانه.

والحقُّ أن الذي ثبت عن السلف أكثر من ذلك بكثير، ولم يقتصروا على التوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله)بعد مماته، بل توسّلوا بغيره ممّن يرون فيه الصلاح ويعتقدون بأنّ له عند الله جاهاً وشفاعة[راجع الزيارة والتوسل، صائب عبدالحميد : 148 ـ 152، اصدار مركز الرسالة].


خلاصة البحث

إن الموت ليس من العدم، وان الاتصال بالحياة البرزخية واقع فعلاً، وإن سيرة المسلمين قديماً وحديثاً جارية على التوسل بالأنبياء والأولياء أحياءً وأمواتاً، بلا فرق بين الذات والدعاء، فيتعين صحة الرأي القائل بجواز التوسل، ويثبت بطلان القائل بالحرمة والمنع.

كما أن الوسائل التي يتقرب بها العبد إلى الله سبحانه لا تخضع للاجتهاد، وإنما تصدت لها الشريعة وحددتها .

ويمكن الحصول عليها من مظانّها، وكل وسيلة خارج هذا الإطار فهي من البدع والضلال

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2009, 05:46 PM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
حيدر الكربلائي
الدم الأحمر تفجر
الطويرجاوےِ

 
الصورة الرمزية حيدر الكربلائي
 
وسام الإدارة ADMIN3 وسام الوفاء 
مجموع الاوسمة: 3 (أكثر» ...)
إحصائية العضو









حيدر الكربلائي غير متواجد حالياً

 

 

 

افتراضي


التقية في الشريعة الاسلامية

تعتبر التقية من جملة المبادئ العملية التي طرحها القرآن الكريم، وقد نصّ على جوازها في قوله تعالى : (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء* إلاّ أن تتقوا منهم تقاة ، ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير) [آل عمران : 28 ].

وقوله تعالى: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلاّ من اُكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب أليم)[النحل : 106 ].

لقد نصّت هذه الآية على التقية وحددت معناه، ذلك أن للإيمان ثلاثة أركان هي : اعتقاد في القلب ، واظهار في اللسان ، وعمل بالجوارح. هذا هو مقتضى الإيمان في الظروف الطبيعية.

وحيث إن الإسلام شريعة عملية تنظر إلى الواقع وتعالج كل ملابساته فمن الطبيعي أن توضح للمكلفين كيفية التعامل مع الأحداث في الظروف الطبيعية وغير الطبيعية، كما إذا أصبح الإنسان مخيراً بين الموت أو الحرج الشديد وبين التنازل عن بعض مستلزمات الإيمان أو بعض مظاهره، فجاءت هذه الآية الكريمة لتوضح أن الركن الأول وهو الاعتقاد بالقلب لا يمكن التنازل عنه بحال من الأحوال لأنه قوام الإيمان وجوهره، وهو ركن خفي بطبعه ، أما الركن الثاني والثالث فأجازت الآية للمؤمنين عدم التظاهر بالإسلام بشكل مؤقت إذا توقف على ذلك دفع الموت أو الحرج الشديد عنهم ولم يلزم منه هدم الدين وإضعافه، حيث وردت الآية في قضية عمار بن ياسر عندما أمره المشركون بسبّ الرسول(صلى الله عليه وآله) وامتداح الأصنام ففعل ذلك تحت وطأة التعذيب الشديد، فلما أتى الرسول، قال له : «ما وراءك »؟ قال : شرّ يا رسول الله، ما تُركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، فقال: «كيف تجد قلبك؟» قال : مطمئن بالإيمان، قالصلى الله عليه وآله) «إن عادوا فعد»[المستدرك للحاكم: 2 / 357 وراجع سنن ابن ماجة: 1/150 باب 11، وتفسير الماوردي: 3/ 192 ط بيروت، وتفسير الرازي: 20/121 وساير التفاسير، وغير ذلك من المصادر].

وقد استدلّ علماء المسلمين على مشروعية مبدأ التقية بالآيتين المذكورتين آنفاً وجعل المراغي في تفسيره من جملة موارد التقية: مداراة الكفرة، والظلمة، والفسقة، وإلانة الكلام لهم، والتبسم في وجوههم ، وبذل المال لهم لكفّ أذاهم وصيانة العرض منهم، وأخرج الطبراني، قوله(صلى الله عليه وآله) : «ما وقى به المؤمن عرضه فهو صدقة»[تفسير المراغي : 3 / 136 ط . مصر ].

ولا يعتبر هذا من النفاق الذي أدانه القرآن الكريم واعتبره أشد من الكفر، فإن النفاق هو كتمان الكفر أو العداوة، وإظهار الإيمان أو المحبة، بينما التقية هي كتمان الإيمان وإظهار ما يخالفه ، ولو كانت التقية من جملة مصاديق النفاق فلماذا أباحها الله سبحانه وتعالى نصّاً، ثم امتدح عليها مؤمن آل فرعون وذكره بذكر حسن: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه)[غافر: 28]، وامتدح امرأة فرعون وجعلها مثلاً للذين آمنوا ـ وقد عاشت مع فرعون بالتقية ـ في آيتين من كتابه؟

كما تختلف التقية أيضاً عن الاستسلام والمهادنة في أمر الدين اختلافاً جوهرياً، فإن الاستسلام والمهادنة إذعان للطرف المقابل والتنازل له عن المبادئ المعتقد بها، بينما تعني التقية الاحتفاظ بالرفض، وعدم التظاهر به بشكل مؤقت، وإظهار موافقة العدو حتى انقضاء فترة الضعف ريثما تحين فرصة إعداد القوة، فالتقية تدبير عقلائي لغرض الحيلولة دون سقوط المؤمن في هوّة الاستسلام والمهادنة، وتعبئته بدلاً عن ذلك بمقوّمات الصمود الروحي والمعنوي لكي لا ينهار أمام الضغوط المعادية، ولكي يحتفظ بالحد الأدنى من الإيمان، وهو ينظر بعين الأمل للمستقبل منتظراً حلول الفرصة المناسبة للتغيير. بينما يخلو الاستسلام من خصائص الصمود والأمل وفكرة التغيير في أوّل فرصة ممكنة.

وبكلمة اُخرى ، إن التقية تعني مغالبة الاستسلام واليأس والقنوط والمهادنة، وغير ذلك من معاني الضعف والانهيار التي يحاول العدوّ أن يفرضها على المؤمن، وأن الردّ بالتقية على العدو يعني إلقاء هذه المعاني في نفسه، فحينما يدرك العدو بأن المؤمن يتمسك في مواجهته بالتقية وأنّ هذه التقية تجعله إنساناً عنيداً لا يعرف المساومة والانهيار ، سوف يقع في هوّة اليأس من هدفه هذا.

عمل الصحابة والتابعين بالتقية

وإذا انتقلنا من الكتاب والسنّة النبويّة الى عمل الصحابة والتابعين والفقهاء من الرعيل الأوّل، وجدنا التاريخ يدلّنا على أنّهم كانوا يعملون بالتقية كلّما لزم الأمر منهم ذلك، ولهم في ذلك قصص معروفة، مثل عبدالله بن مسعود، وأبي الدرداء، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ورجاء بن حَيْوَة، وواصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد المعتزلي، وأبو حنيفة.

فقد روي عن الحارث بن سويد، قال: سمعت عبدالله بن مسعود، يقول: ما من ذي سلطان يريد أن يكلفني كلاماً يدرأ عني سوطاً أو سوطين إلاّ كنت متكلماً به.

أخرجه ابن حزم في المحلّى، وقال: ولا يعرف له من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ مخالف[المحلّى، ابن حزم: 8/336، مسألة 1409، دار الآفاق الجديدة، بيروت].

وأخرج البخاري في صحيحه بسنده عن أبي الدرداء، أنّه كان يقول: إنّا لنكشّر في وجوه أقوام، وإن قلوبنا لتلعنهم[صحيح البخاري: 8/37، كتاب الأدب، باب المداراة مع الناس].

ونسب هذا القول الى أبي موسى الأشعري أيضاً[الفروق، القراضي المالكي: 4/236، الفرق الرابع والستون بعد المائتين]. والى أمير المؤمنين[مستدرك الوسائل: 12/261، باب 27 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ح2].

وأخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة أنّه قال: حفظت من رسول الله(صلى الله عليه وآله) وعاءين: فأما أحدهما: فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم[صحيح البخاري: 1/41، كتاب العلم، باب حفظ العلم (آخر أحاديث الباب)].

وقد صرّح ابن حجر في فتح الباري بأن العلماء حملوا الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي تبيّن أسامي اُمراء السوء وأحوالهم، وأنّه كان يكني عن بعضه ولا يصرّح به خوفاً على نفسه منهم، كقوله: (أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان) يشير الى حكم يزيد بن معاوية; لأنّها كانت سنة ستين من الهجرة[فتح الباري، ابن حجر العسقلاني: 1/173].

وأخرج الطحاوي بسنده عن عطاء أنّه قال: قال رجل لابن عباس: هل لك في معاوية أوتر بواحدة؟ ـ وهو يريد أن يعيب معاوية ـ فقال ابن عباس: أصاب معاوية.

هذا في الوقت الذي بيّن فيه الطحاوي ما يدلّ على انكار ابن عباس صحة صلاة معاوية، فقد أخرج بسنده عن عكرمة، قال: «كنت مع ابن عباس عند معاوية نتحدث حتى ذهب هزيع من الليل، فقام معاوية فركع ركعة واحدة، فقال ابن عباس: من أين ترى أخذها الحمار؟».

قال الطحاوي بعد ذلك: وقد يجوز أن يكون قول ابن عباس: (أصاب معاوية) على التقية له، ثم أخرج عن ابن عباس في الوتر أنه ثلاث[شرح معاني الآثار، الطحاوي: 1/389، باب الوتر، ط2، دار الكتب العلمية، بيروت، 1407 هـ ].

وأخرج أبو عبيدة القاسم بن سلام عن حسّان بن أبي يحيى الكندي، قال: سألت سعيد بن جبير عن الزكاة؟ فقال: ادفعها الى ولاة الأمر. قال: فلما قام سعيد تبعته، فقلت: إنّك أمرتني أن أدفعها الى ولاة الأمر، وهم يصنعون بها كذا، ويصنعون بها كذا؟! فقال: ضعها حيث أمرك الله، سألتني على رؤوس الناس فلم أكن لاُخبرك[كتاب الأموال، أبو عبيدة القاسم بن سلام: 567/1813، تحقيق الدكتور محمد خليل هراس، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1406 هـ].

وأخرج أيضاً عن قتادة أنّه سأل سعيد بن المسيب السؤال نفسه؟ فسكت ابن المسيب ولم يجبه.

هذا، وقد أورد العلاّمة الأميني تقية سعيد بن المسيب من سعد ابن أبي وقاص في سؤاله إيّاه عن حديث الغدير، فراجع[الغدير، العلاّمة الأميني: 1/380، ط 5، دار الكتاب العربي، بيروت، 1403 هـ ].

وقال القرطبي المالكي: «وقال ادريس بن يحيى: كان الوليد بن عبدالملك يأمر جواسيس يتجسسون الخلق، ويأتون بالأخبار، فجلس رجل منهم في حلقة رجاء بن حيوة فسمع بعضهم يقع في الوليد، فرفع ذلك إليه.

فقال: يا رجاء! اُذكر بالسوء في مجلسك ولم تغيّر؟!

فقال: ما كان ذلك يا أمير المؤمنين.

فقال له الوليد: قل الله الذي لا إله إلاّ هو.

قال: الله الذي لا إله إلاّ هو.

فأمر الوليد بالجاسوس، فضرب سبعين سوطاً، فكان يلقى رجاء فيقول: يا رجاء! بك يُستسقى المطر وسبعين سوطاً في ظهري!

فيقول رجاء: سبعون سوطاً في ظهرك خيرٌ لك من أن يُقتل رجل مسلم[الجامع لأحكام القرآن، القرطبي: 10/124].

وقد حصل نظير هذه التقية لسعد بن أشرس ـ صاحب مالك بن أنس ـ مع سلطان تونس، إذ كان قد آوى رجلاً يطلبه السلطان، ولما اُحضر أنكر ذلك وحلف بأنّه ما آواه ولا يعلم له مكاناً[الجامع لأحكام القرآن، القرطبي: 10/124].

وقال ابن الجوزي الحنبلي: خرج واصل بن عطاء يريد سفراً في رهط، فاعترضهم جيش من الخوارج فقال واصل: لا ينطقن أحد ودعوني معهم، فقصدهم واصل، فلمّا قربوا بدأ الخوارج ليُوقِعوا، فقال: كيف تستحلّون هذا وما تدرون من نحن، ولا لأي شيء جئنا؟ فقالوا: نعم، من أنتم؟ قال: قوم من المشركين جئناكم لنسمع كلام الله. قال: فكفوا عنهم، وبدأ رجل منهم يقرأ القرآن، فلما أمسك، قال واصل: قد سمعت كلام الله، فأبلغنا مأمننا حتى ننظر فيه وكيف ندخل في الدين! فقال: هذا واجب، سيروا. قال: فسرنا والخوارج ـ والله ـ معنا يحموننا فراسخ، حتى قربنا الى بلد لا سلطان لهم عليه، فانصرفوا[كتاب الأذكياء، ابن الجوزي: 136، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1405 هـ ].

وفي خضمّ ثورة إبراهيم بن عبدالله وأخيه محمد ذي النفس الزكيّة على المنصور العباسي التي انتهت بقتلهما، قال المنصور ـ يوماً ـ لعمرو بن عبيد: بلغني أن محمّداً بن عبدالله بن الحسن كتب إليك كتاباً؟ قال عمرو: قد جاءني كتاب يشبه أن يكون كتابه.

قال: فبم أجبته؟ قال: أوليس قد عرفت رأيي في السيف أيام كنت تختلف إلينا، أنّي لا أراه؟!

قال المنصور: أجل، ولكن تحلف لي ليطمئن قلبي! قال عمرو: لئن كذبتك تقية، لأحلفنّ لك تقية، قال المنصور: والله، والله! أنت الصادق البر[تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي: 12/168 ـ 169 في ترجمة عمرو بن عبيد المعتزلي].

وأخرج الخطيب البغدادي في تاريخه بسنده عن سفيان بن وكيع، قال: جاء عمر بن حمّاد ابن أبي حنيفة فجلس إلينا، فقال: سمعت أبي حمّاد يقول: بعث ابن أبي ليلى الى أبي حنيفة فسأله عن القرآن؟ فقال مخلوق، فقال: تتوب وإلاّ أقدمت عليك؟ قال: فتابعه، فقال: القرآن كلام الله .

قال: فدار به في الخلق يخبرهم أنّه قد تاب، من قوله القرآن مخلوق.

فقال أبي: فقلت لأبي حنيفة: كيف صرت الى هذا وتابعته؟

قال: يا بني، خفت أن يقدم عليّ فأعطيته التقية[المصدر السابق : 13/379 ـ 380، في ترجمة أبو حنيفة تحت عنوان: ذكر الروايات عمّن حكى عن أبي حنيفة، القول بخلق القرآن].

هذه جملة من الشواهد التطبيقية لمسألة التقية في حياة أعلام بارزين من الصحابة والتابعين والفقهاء; وهناك شواهد تطبيقية اُخرى كثيرة أعرضنا عن ذكرها خشية الإطالة، وقد روتها مصادر الجمهور، وقد بلغ الأمر شهرة وذيوعاً في سلوك العاملين بشريعة سيد المرسلين، كلّما ألجأتهم الظروف الى التقية ، حتى أصبح ظاهرة في تاريخ الإسلام، تلفت نظر كل باحث فيه عن حق وحقيقة، ممّا جعل جمال الدين القاسمي، يشير الى ما ذكره الشيخ مرتضى اليماني في عوامل خفاء الحق، وغموض الحقيقة في كثير من الأحيان، حيث نقل عنه قوله، وزاد الحق غموضاً وخفاءاً أمران:

أحدهما: «خوف العارفين مع قلّتهم من علماء السوء، وسلاطين الجور وشياطين الخلق، مع جواز التقية عند ذلك بنصّ القرآن واجماع أهل الإسلام ومازال الخوف مانعاً من اظهار الحق ولا برح المحق عدواً لأكثر الخلق»[محاسن التأويل: 4/82، ط 2 دار الفكر].

ولأجل ما للتقية من دور لا يسع المؤمن تجاهله، وجدنا الفقه الإسلامي في مختلف أبوابه زاخراً بمواردها، بحيث يجد المكلف للمسألة الفقهية الواردة في عبادة معينة أو معاملة معينة حكماً عندما يكون المكلف في حالة طبيعية، وحكماً آخر عندما يكون في موقف اضطراري يُكره فيه على اختيار معيّن ظلماً وعدواناً، وهذا باب واسع يتسع لكل أبواب الفقه وكتبه من العبادات والمعاملات، وليس هناك من ينكر توفّر فقه مذاهب الجمهور على أحكام اضطرارية خاصة بمن يُكره على عمل معين ظلماً وجوراً، وما هذه الأحكام إلاّ من جملة مصاديق التقية ومواردها[انظر موارد هذه الأحكام في فقه الجمهور في كتاب: «واقع التقية عند المذاهب الإسلامية من غير الشيعة الإمامية» للسيد ثامر العميدي، حيث توسّع في ذلك توسّعاً كافياً]

مبدأ مشروعية التقية عند الإمامية

أما علماء الإمامية فقد استدلوا على جواز التقية، بل وجوبها أحياناً ـ إضافة الى الآيتين المذكورتين ـ بروايات عديدة بلغت حد الاستفاضة، ولها باب روائي خاص في وسائل الشيعة ضمن كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وإليك بعضاً منها:

1 ـ عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبدالله(عليه السلام)، قال: التقية ترس المؤمن، والتقية حرز المؤمن[اُصول الكافي: 2/ 221 باب التقية].

2 ـ عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه، قال للمفضّل: «إذا عملت بالتقية لم يقدروا في ذلك على حيلة وهو الحصن الحصين، وصار بينك وبين أعداء الله سدّاً لا يستطيعون له نقباً»[وسائل الشيعة: 16/ 213 باب 24].

3 ـ عن عليّ أمير المؤمنين(عليه السلام): التقية من أفضل أعمال المؤمن يصون بها نفسه وإخوانه عن الفاجرين[تفسير الإمام الحسن العسكري(عليه السلام): 320].

4 ـ وقال أبو جعفر الباقر(عليه السلام): التقية من ديني ودين آبائي[اُصول الكافي: 2/ 219 باب التقية].

5 ـ وعن الإمام الصادق(عليه السلام): اتّقوا على دينكم فاحجبوه بالتقية...[المصدر السابق].

لماذا اشتهر الشيعة بالتقية دون سائر المسلمين

لا يخفى أن الشيعة قد عاشوا واقعاً سياسياً صعباً ، على امتداد الحكم الاُموي والدولة العباسية ، التي امتدت الى ما بعد غياب الإمام الثاني عشر(عليه السلام).

فقد مرت خلال هذه القرون أدوار كان أن يقال للرجل: «زنديق» أهون عليه من أن يقال له: «شيعي»، لما تعرض له الشيعة من اضطهاد وحرمان من الحقوق الطبيعية ومطاردة، ناهيك عن التكذيب والاتّهام بالانحراف والابتداع، الذي قد يكون أشدّ من التقتيل الذي تعرضوا له دون رحمة. ولابد لمثل هذه الظروف التي طال أمدها أن تفرض نمطاً خاصاً من الحياة يتخذ من التقية شعاراً لابد منه لحفظ الأنفس والأبناء والأموال، وإن حالاً كهذه ستساعد كثيراً على شيوع الأحاديث الخاصة بالتقية بين أبناء هذه الطائفة، حتى تصبح التقية ظاهرة مميزة لهم عن غيرهم ممّن تمتع بالأمن ولو الى حدٍّ ما...

ثم جاءت بعد ذلك دواعي الخصومة لدى البعض لتحوّل مبدأ التقية، منطلقاً للتهريج والتشنيع على أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ، متناسين أن أصل مبدأ التقية من مسلّمات الكتاب وضرورات الشريعة، التي أجمع عليها المسلمون قديماً وحديثاً.

غافلين أيضاً عن مسؤوليتهم المتبقية في إدانة الظلم والاضطهاد الذي أرغم فئة كبيرة من المسلمين على أن بقيت التقية ما يقارب ثلاثة قرون متواصلة. فبدلاً من أن تدين الظلم والجور والاستهتار بحقوق الناس ودمائهم، راحت تدين المظلوم المضطهد حين إلتجأ الى اُسلوب سياسي لحماية نفسه ودينه وعرضه، وهو الاُسلوب الذي أقرّته الشريعة لأتباعها في أحوال كهذه، كما تقدّم، بلا خلاف بين المسلمين.

إن هذا التشنج والانفعال الذي يُقابل به أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ، يصور لنا تلك الظروف التاريخية العصيبة التي كان يعيشها هؤلاء، في أيام الحكم الاُموي والعباسي والعثماني ، فإنه من بقايا تلك الظروف الحرجة، ومن تراث ذلك العهد الغابر الذي عاش فيه اُناس من شيعة علي(عليه السلام) ،وهم يخفون تشيعهم حتى عن أزواجهم، يوم كان الاتهام بالتشيع أسوأ عقوبة من كل اتهام!!

وقد روى ابن أبي الحديد عن المدائني، ونفطويه، والإمام محمد الباقر(عليه السلام)، ما خلاصته: أن معاوية بن أبي سفيان كتب الى عمّاله يوماً أن برئت الذمة ممن روى شيئاً في فضل أبي تراب وأهل بيته، فقام الخطباء من كل كورة وعلى كل منبر يلعنون علياً، ويبرأون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشد الناس بلاءً حينئذ أهل الكوفة، لكثرة من بها من شيعة علي(عليه السلام) ، فاستعمل عليها زياد بن سمية وضمّ إليه البصرة، فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لأنه كان منهم أيام علي(عليه السلام)فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وطردهم وشرّدهم عن العراق، فلم يبق فيه معروف منهم، كما كتب معاوية الى عمّاله في جميع الآفاق ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة. وكتب كتاباً آخر يقول فيه: انظروا من قامت عليه البيّنة انّه يحب علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه، وفي كتاب آخر كتب يقول: من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به واهدموا داره...

فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي(عليه السلام)، فازداد البلاء والفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل إلاّ وهو خائف على دمه، أو طريد في الأرض، ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين، وولي عبدالملك بن مروان فاشتد على الشيعة وولّى عليهم الحجاج بن يوسف فتقرب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض علي وموالاة أعدائه، وموالاة من يدعي من الناس أنهم أيضاً أعداؤه ... وأكثروا من التنقيص من علي(عليه السلام) وعيبه والطعن فيه والشنآن له، حتى أن إنساناً وقف للحجاج ـ يقال: إنّه جد الأصمعي عبدالملك بن قريب ـ فصاح به أيها الأمير، إن أهلي عقّوني فسموني علياً! وإني فقير بائس، وأنا الى صلة الأمير محتاج. فتضاحك له الحجاج وقال: للطف ما توسلت به قد ولّيتك موضع كذا[شرح نهج البلاغة : 11 / 44 ـ 46].

وما جرى على الشيعة في زمن العباسيين لم يكن بأقل من هذا، فهذا ابن السكّيت أحد أعلام الأدب في زمن المتوكل، اختاره الخليفة معلماً لولديه فسأله يوماً أيهما أحب إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين؟

قال ابن السكيت : والله إنّ قنبراً خادم علي(عليه السلام) خير منك ومن ابنيك. فقال المتوكل: سلّوا لسانه من قفاه ففعلوا ذلك به فمات.

إنّ جماعة تواجه هذا النحو من الاضطهاد والاستضعاف قروناً عديدة، من الطبيعي أن تختار طريقاً وسطاً بين محذوري الانهيار والاستسلام أمام العدو، وبين الاستئصال والفناء ، فتبقى رافضة للظلم والانحراف من جهة، غير معرّضة نفسها الى الزوال والفناء والاستئصال من جهة ثانية، هذا هو مبدأ التقية.

فما قاله ابن تيمية: «من أنّ التقية هو الكذب والنفاق»[منهاج السنّة: 1/ 68 تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم] غير وجيه ولا يقبله العقل، كما لا يؤيده النقل الصريح من الكتاب والسنّة معاً. فقد جاء بها القرآن كما قدمناه، وأقرّتها السنّة ومارسها السلف من كبار الصحابة والتابعين، وامتلأت بها موسوعات الفقه السنّي، وفي شتى الأبواب كما سلفت الإشارة الى بعضه.

على أن التقية لم تكن هي اللون الوحيد الذي طغى على حياة الشيعة طيلة هذه القرون، فلقد عاشوا الروح الثورية التي احتفل التاريخ بأروع صورها، دفعاً للظلم والفساد السياسي والاداري والاقتصادي، والانحراف الديني عند حكام الجور المتعاقبين على الحكم.

نعم، لقد آمنت الشيعة بالإسلام ديناً مهيمناً على الحياة ولا يجوز الانحراف عنه أو التعبّد بغيره، قد قدمت من أجله كل غال ونفيس. ولقد اُهرقت في سبيله أغلى الأنفس وأعزّها في الوجود، وما كانت ثورة الحسين بن علي(عليهما السلام) إلاّ في سبيل هذا الدين وحفظاً له من العبث والاندراس، بعد أن لعبت به الأيدي الاُموية وكادت أن تأتي عليه وتدكّ المعالم الشامخة منه، ثم توالت بعد الثورة الحسينية ثورات إسلامية كلها تنشد المحافظة على هذا الدين وصيانته، وإن الشيعة قد سارت في ضمن ذلك الموكب الجهادي العظيم تبذل كل ما لديها وما تملك في سبيل الإسلام، ولو كان للنفاق أن يتسرّب الى قلوب الشيعة لم تكن تلك المجازر في حق شيعة علي(عليه السلام)، ولو كان الشيعي يداهن في دينه أو ينافق، لم تكن سياط الحكام وسيوفهم تنال منه شعرة واحدة، ولكن لصراحتهم فيما يعتقدون، وإجهارهم فيما يؤمنون، كان طعم السيف أشهى لديهم من المراوغة، أو الرياء الذي استعمله غيرهم موافقةً لحكّام الجور وأئمة الضلال .

أقسام التّقية

من المناسب بعد هذه الجولة أن نبيّن أقسام التقية، وخلاصة أقوال الفقهاء في كل قسم منها، وقد قسمت التقية بحسب موارد التقسيم الى تقسيمات متعددة:

إذ يمكن تقسيم التقية بحسب من يُتقى منه إلى التقية من الكافر، والتقية من المسلم.

وبحسب العمل الى تقية في العبادة ، وتقية في الفتوى، وتقية في السياسة.

وبحسب الأحكام الخمسة الى تقية جائزة ، واُخرى واجبة، وثالثة محرّمة.

1 ـ التقية من الكافر: وقد اتّفق المسلمون عليها، وهي المورد الذي نطق به القرآن الكريم في موضعين منه كما مضى.

2 ـ التقية من المسلم: وقد وقع البحث فيها بين علماء المسلمين بين الجواز وعدمه، والذين رأوا عدم جوازها استدلوا بأن القرآن الكريم قد صرّح بتقية المسلم من المشرك، ولم يصرح بغيرها.

وذهب علماء الإمامية وبعض فقهاء الجمهور الى جواز هذه التقية، وأن الدليل على ذلك هو القرآن الكريم بآيتيه المذكورتين آنفاً; فإن الآيتين وإن وردتا في التقية من المشرك، إلاّ أنّ المقرر لدى علماء الاُصول أنّ خصوص المورد لا يخصص الوارد، والمقرر لدى علماء التفسير أيضاً، أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

فينبغي أن يتّضح أولاً: أن القرآن في هاتين الآيتين هل يراعي حال المسلم أم أنه يراعي حال المشرك ؟ فإن كانت التقية ناظرة الى المشرك كانت التقية الجائزة هي التقية منه دون التقية من المسلم. وإن كان القرآن يراعي حال المسلم وقد جاءت التقية بداعي الحفاظ عليه ثبت لدينا جواز التقية من كلّ ظالم وإن كان مسلماً.

والمعنى الثاني هو الظاهر من القرآن الكريم، فإنّ التقية جاءت لصيانة المسلم من الخطر والحفاظ عليه من الأعداء ، وهذا السبب موجود في التقية من المسلم كوجوده في التقية من المشرك.

وإلى هذا أشار أحد كبار علماء أهل السنة حيث، قال: الحكم الرابع، ظاهر الآية يدلّ على أنّ التقية إنّما تحلّ مع الكفّار الغالبين إلاّ أن مذهب الشافعي(رضي الله عنه) أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلّت التقية محاماة على النفس[راجع التفسير الكبير: 1 / 20 ، 120].

على أنّ التقية سلوك عقلائي عام، ولا معنى لتخصيصه بظالم دون آخر، ولعل السرّ في معارضة المعارضين لتقية المسلم من المسلم يعود الى أمر عاطفي; فإن مدرسة الخلفاء لمّا كانت ترى شرعية الحكم الاُموي والعباسي، وتحكم بوجوب طاعة الأمير برّاً كان أو فاجراً ، فكان من الطبيعي أن تعتبر الحركات المعارضة لهذين الحكمين حركات غير شرعية، وبالتالي فإنّ التقية التي عمل بها الشيعي كانت تعني سلوكاً غير شرعي من هذه الجهة، لا من جهة أن أصل تقية المسلم من المسلم تقية غير شرعية، وحينئذ يخرج البحث من نطاق التقية وأدلتها وأقسامها.

وإلاّ فإن التقية أمر عقلائي ، وقد عمل به العديد من أعلام مدرسة الخلفاء ، كما عرفت فهذا أبو هريرة يقول: «حفظت من رسول الله(صلى الله عليه وآله) وعاءين أما أحدهما فبثثته في الناس، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم»[صحيح البخاري: 1/41 آخر ب حفظ العلم ك العلم، وعنه في محاسن التأويل للقاسمي: 4/82 ط مصر] أليست هذه تقية المسلم من المسلم؟! وعشرات الأمثلة التي تقدم بعضها هي من هذا الصنف.

3 ـ التقية في العبادة: وتعني الإتيان بالعبادة بالنحو المخالف للصواب، الذي يعتقد به المسلم طبقاً لمذهبه، دفعاً لخطر الظلم عليه أو مداراة لسائر المذاهب الاسلامية.

وفي ذلك يقول الإمام الخميني(رضي الله عنه): إن التقية قد تأتي لأجل دفع خطر متوقع: «على حوزة الإسلام، بأن يخاف شتات كلمة المسلمين بتركها، أو يخاف وقوع ضرر على حوزة الإسلام من خلال تفريق كلمتهم الى غير ذلك، والمراد بالتقية مداراةً أن يكون المطلوب فيها نفس جمع شمل الكلمة ووحدتها بتحبيب المخالفين وجرّ مودّتهم من غير خوف [الرسائل : 174]».

وقد ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام)، أنه قال لهشام بن الحكم: «صلّوا في عشائرهم ، وعودوا مرضاهم ، واشهدوا جنائزهم ... والله ما عبد الله بشيء أحب إليه من الخباء، قلت: وما الخباء؟ قال: التقية»[وسائل الشيعة ، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب 26 ح 2].

4 ـ التقية في الفتوى: وهي أن يفتي الفقيه في مورد خلافاً لما يعتقده من الصواب، وأمره يختلف باختلاف الحالات والصور، فقد تكون محرّمة وقد تكون جائزة وقد تكون واجبة. قال السيد حسن البجنوردي : «في مثل هذا يجب الفرار والتخلص عن الإفتاء بأي وجه ممكن، وكذا إذا كانت الفتوى موجبة لتلف النفوس أو هتك الأعراض ، ففي الأول لا يجوز له أن يفتي وإن كان ترك الفتوى موجباً لهلاكه وقتله، وأما الأئمة المعصومون(عليهم السلام) وإن صدر منهم الفتوى بعض الأحيان على خلاف الحكم الواقعي الأوّلي، ولكن كانوا ينبّهون الطرف بعد ذلك بأنها كانت على خلاف الواقع، إما لأجل حفظ نفسه(عليه السلام) ، أو لأجل حفظ نفس المستفتي...

والحاصل: أن الفتوى على خلاف ما أنزل الله للتقية أمره مشكل، ويختلف كثيراً من حيث المفتي ومقبولية رأيه عند العموم وعدمها...»[القواعد الفقهية: 5 / 68].

5 ـ التقية في السياسة: وأمرها واضح، وأكثر التقية من هذا القبيل.

وقد اتّضح أن التقية ليست جائزة دائماً، وليست واجبة دائماً، بل قد تكون حراماً في بعض الظروف، قال الإمام الخميني(قدس سره)في التقية المحرّمة:

«منها بعض المحرمات والواجبات التي في نظر الشارع والمتشرعة في غاية الأهمية مثل هدم الكعبة والمشاهد المشرفة... ومثل الرد على الإسلام والقرآن والتفسير بما يفسر المذهب ويطابق الإلحاد... ومن هذا الباب ما إذا كان المتقي ممن له شأن وأهمية في نظر الخلق بحيث يكون ارتكابه لبعض المحرمات تقيةً أو تركه لبعض الواجبات مما يعد موهناً للمذهب وهاتكاً لحرمته... وأولى من ذلك كله في عدم جواز التقية فيه ما لو كان أصل من اُصول الإسلام أو المذهب أو ضروري من ضروريات الدين في معرض الزوال والهدم والتغيير، كما لو أراد المنحرفون الطغاة تغيير أحكام الإرث والطلاق...»[الرسائل : 177 ـ 178].

قال العلاّمة المظفر: وللتقية أحكام من حيث وجوبها وعدم وجوبها ، بحسب اختلاف مواقع خوف الضرر، مذكورة في أبوابها في كتب العلماء الفقهية، وليست هي بواجبة على كل حال، بل قد يجوز أو يجب خلافها في بعض الأحوال، كما إذا كان في اظهار الحق والتظاهر به نصرة للدين وخدمة للإسلام وجهاد في سبيله، فانه عند ذلك يستهان بالأموال ولا تعز النفوس[عقائد الإمامية : 85]...

نتيجة البحث:
إنّ التقية مبدأ إسلامي عام قد شرّعه الله تعالى في القرآن الكريم ودلّت عليه نصوص السنّة الشريفة. كما دلّت عليه النصوص المتظافرة عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) وعمل به الأصحاب والأعلام وأفتى به الفقهاء من الفريقين في مجالات متعددة وهو مبدأ خالد الى يوم القيامة كما صرّح بذلك الرازي في تفسيره ، ولا مجال لإنكاره بحال من الأحوال.



 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2009, 05:48 PM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
حيدر الكربلائي
الدم الأحمر تفجر
الطويرجاوےِ

 
الصورة الرمزية حيدر الكربلائي
 
وسام الإدارة ADMIN3 وسام الوفاء 
مجموع الاوسمة: 3 (أكثر» ...)
إحصائية العضو









حيدر الكربلائي غير متواجد حالياً

 

 

 

افتراضي


العصمة في النبوّة والإمامة

مقدمة

خلق الله الإنسان بطريقة يكون مستعداً من خلالها لقبول الحق ونداءاته والتفاعل معها، وهذه الأهلية تساعد على نشوء علاقة مع الغيب، يتقبل بواسطتها الهداية وبالتالي يُؤمن ارتباطه بسبل الهداية المتوفرة.

ومنذ البدء كان الإنسان يسعى بفطرته نحو الكمال المطلوب الذي قُدر أن يتحقق بفعل الارادة الحرة المودعة فيه، والتي ارتقى بواستطها على باقي المخلوقات مما أهلته لحمل الأمانة السماوية، ولهذا فهو المخلوق الوحيد الذي تحمّل مسؤولية أفعاله حين لا تكون موافقة لخط الهداية والاستقامة فكراً وسلوكاً كما خطتها يد السماء.

ولكن يثور في المناسبة سؤالٌ مفاده: ماهو السبيل الذي يوفر لنا الحصول على تلك المعارف والعلوم التي تكفل للإنسان بأن يميّز طريق الهداية الحقّة ويفرق بين هذا العمل وكونه صالحاً أو غير صالح؟ لتدخل الارادة في خطوة لاحقة فتحرك ماهو نظري ذهني الى واقع عملي مشهود؟

التسليم بوجود عقبات تحول دون الهداية من جهة، ودور العلوم والمعارف الإلهية والقيم التي تؤدي الى وعي الإنسان بالهداية من جهة ثانية يدعونا للبحث عن معرفة الطريق الذي يوفر المعارف للإنسان. فالحل يأتي من جهة اللطف الإلهي الذي يقوم بربط الإنسان بالغيب ليقيه مزالق الانحراف والظلالة والشرك ـ لذا وصف اللطف الإلهي بأ نّه أشبه بمن دعا شخصاً الى طعام وهو يعلم أنه لا يجيبه إلاّ إذا استعمل نوعاً من التأدب، فإذا لم يفعل الإنسان المضيف هذا الاُسلوب كان نقضاً لهدفه وغرضه من الدعوى ـ فتأتي النبوة منه سبحانه تحمل خطابه وتعرف الإنسان معنى العدالة والكمال المنشود.

النسق الإسلامي في معارفه الربّانية لا يقبل التجزئة والتفكيك، فرسله الذين يبلغون عنه أوامره وينقلون للناس صفاته قد تخلقوا بأخلاق الله واتّصفوا بالعدل وانهم صفوة الناس. قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْض وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم )[آل عمران: 33 ـ 34].

فالمصطفون هم الذين تحمّلوا مسؤولية البلاغ الإلهي وهم ورثة العلوم الإلهية.

فسنّة الله في الهداية إرسال الرسل الذين هم موضع ثقة الله، فهذا التأسيس القرآني الكاشف عن الإرادة والاختيار الإلهي في صفة الرسل، لا تخالفه الرسالة الإسلامية: (قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ)[الاحقاف: 9 ] فخاتم الرسالات والمصدق لها، لا يغش الناس ويغطي عليهم الحقائق الإلهية، فيلبس الحق بالباطل هذا من جهة، ومن جهة اُخرى فهو الحريص لأن يطبق خطاب السماء القاضي بأنّ السلطة العقيدية والقيادة السياسية تمنح لمن اصطفى من خلقه، ولهذا جاء صريح الوحي: (وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ...)[المائدة: 67 ].

وهذا التأسيس الثاني قد عمل فيه نبي الإسلام وجسّده، فيما كان يخطط لمستقبل الرسالة في غدير خم وغيرها من الأحداث، لتعي الاُمة بأن الولاية كالنبوة، إلاّ أن الإمام لا يوحى اليه: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أ نّه لا نبي بعدي»[صحيح مسلم بشرح النووي: 15/174، مجمع الزوائد: 9/109، فتح الباري لابن حجر: 7/60، المصنف للصنعانى: 5/406، المصنف لابن أبى شيبة: 7/496].

فالنبوّة كما أرادها تتصف باُمور وشروط، ومنها العصمة، فإذا كانت العصمة شرطاً في النبوة فهل ياترى هي شرط في الإمامة أيضاً، ولماذا؟

ثم ماهي حدود العصمة عند النبي أو الإمام، وبالتالي ماهي ضروراتها؟ وهل هناك أدلة نقلية تثبتها في الإمامة بشكل خاص بعد الاتفاق على وجودها في النبي ؟ كل هذه الاُمور وغيرها سنسلط الضوء عليها في فقرات لاحقة من هذا البحث إن شاء الله.

وقبل الدخول في تفصيلات بحث العصمة نرى من اللازم تحرير محل النزاع في مسألة موقع الإمامة لندرك بعد ذلك أن العصمة وغيرها تدخل كشرط فيها ، وبالتالي سيكون الكلام في ضرورتها في النبوة يعني ضرورتها في الإمامة وهكذا الحديث في حدودها وفائدتها.


أولاً: العصمة لغة واصطلاحاً

ذكرت للعصمة لغة عدة معاني متقاربة منها:

1 ـ المنع[الصحاح للجوهري: 4/1986 ]: يقال: عَصَمه الطعامُ، أي منعه من الجوع.

2 ـ الالتجاء: اعتصم به فلان أي التجأ إليه، واستعصم تحرى ما يعصمه[دائرة معارف القرن العشرين: 6/505].

3 ـ العصم: الامساك والاعتصام والاستمساك، وإنّ العاصم والمعصوم يتلازمان فأيّهما حصل حصل معه الآخر[الراغب الاصفهانى فى معجم مفردات القرآن: 249].

أما الاصطلاح فقد اختلف المعرفون لها تبعاً للمدارس الكلامية، فعلماء مدرسة أهل البيت قد اشتركوا في تعريفها عند نقطة واحدة وهي أن نفوس المعصومين تأبى الانصراف الى الذنوب وترفض الخضوع للخطايا والشهوات، أما المدارس الاُخرى فاختلفت في هذه المسألة، فمنهم من قال بجواز الكبيرة على النبي قبل البعثة فقط، ومنهم من وسّعها فقال بجواز الكبيرة للنبي قبل البعثة وبعدها، وما الى ذلك من الآراء .

وفيما يلي نسلط الضوء على معناها عند المدرستين لننتهي من خلال فقرات البحث الى أيّهما أقرب الى مفهوم الرسالة عن العصمة.


ثانياً: نقطة الخلاف عند تناول الإمامة في المدرستين

الإمامة والخلافة في المدرسة السنّية اتجهت نحو محور واحد، تركّز في أن الإمام والخليفة بعد الرسول(صلى الله عليه وآله) يعني هو القائد والزعيم السياسي، الذي يتولى إدارة شؤون النظام الإسلامي بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله).

وعلى هذا الأساس لا ترى هذه المدرسة داعياً لأن يكون هذا القائد بنص وتعيين من قبل الله وبيان الرسول(صلى الله عليه وآله) ،بل الأمر متروك للاُمة حيث تنصب من تختاره وتجده أهلاً للقيام بهذه المهمة. لأن دور الإمام والخليفة في نظر هذه المدرسة لا يتعدى مهمة القيادة السياسية وزعامة الاُمة في هذه الحدود، فمن المنطقي أن تكون الطريقة لنصب الخليفة إما وفق نظرية الشورى ، أو أهل الحل والعقد ، أو بالوراثة.

بقي أن نعرف ماهي الشروط التي لابد من توفرها في هذا الشخص المرشّح للخلافة السياسية بعد الرسول(صلى الله عليه وآله) ؟

إنّ الشروط التي لابد أن تتوفر في الخليفة المنتخب يمكن التوصل إليها انطلاقاً من نفس الرؤية التي ترى الإمامة والخلافة بعد الرسول زعامة وقيادة سياسية فحسب، وعليه فيكفي أن تتوفر العدالة في هذا الإنسان من الناحية السلوكية ، بالمعنى المتداول مع شرط العلمية المتعارفة، ولا يشترط فيه العصمة والعلم الممنوح ، فيكفي إذاً أن تتوفّر فيه قدرة ترفعه الى مستوى أداء المسؤوليات في النظام الإسلامي.

ومحصل رأي المدرسة السنيّة في الإمامة والخلافة هو أنها لا تتعدى كونها قيادة سياسية، وأن شرعية التصدي لها يتم عن طريق الانتخاب والشورى أو الاستيلاء بالقوة أو الوراثة أو الوصية، كما هو واضح من تطبيقاتها العملية المضطربة بعد الرسول(صلى الله عليه وآله)، وشرطها العدالة والعلم بالمعنى المتعارف.

ولهذا ذهب البعض يتساءل عن ضرورة وجود إمام غائب أو ضرورة أن يكون معصوماً، أو ضرورة تعيينه بنص الرسول(صلى الله عليه وآله).

أما مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) فقد اتجهت في تقويم الإمامة والخلافة بعد الرسول(صلى الله عليه وآله)الى أنها مهمة إلهية ، كمهمة الرسول ومستمرة حتى نهاية الأرض ، فاشترطت العصمة فيها حتى قبل البلوغ بالإضافة للعلم غير المكتسب، والنص الذي يمثل القيمة الشرعية للإمام.

ولهذا كانت المدرسة السنيّة لا ترى لهذه الشروط التي لابد من توفرها في الإمام والخليفة معنىً، وغير منسجمة مع المسؤولية التي يتكفّل بأدائها الخليفة، فالشروط هنا أوسع وأضخم من مهمة الزعامة السياسية.

هذه هي العقدة ونقطة الخلاف التي تفسر لنا الاضطراب في فهم الإمامة والتشكيك في مسألة العصمة أو المسوّغ لضرورة النص.

لكن الصحيح أن الإمامة في ضوء الكتاب والسنّة ، كما هو ثابت في محلّه تتعدى هذا الفهم ولها بُعد يختلف جوهرياً عن الفهم السطحي للإمامة الإلهية بعد النبوة.

فمدرسة أهل البيت(عليهم السلام) تعتقد أن دور الإمام هو المرجعية الدينية، أو أن مهمته التشريعية تمتد الى أبعاد مختلفة في العقائد والأحكام والأخلاق والقيادة، لذا وجبت طاعته ووجب اتّباعه والأخذ منه، ولهذا تكون أقوال الإمام المعصوم وأفعاله وتقريراته، حجة شرعية منجزة ومعذرة كحجية الرسول(صلى الله عليه وآله) .

من هنا لزم أن يكون الإمام معصوماً كعصمة الرسول(صلى الله عليه وآله)، وضرورتها في شخصه في التلقي والتبليغ، ويتضح من هذا أن العصمة بهذا المعنى ليست شرطاً لمهمة القيادة السياسية فقط.

يضاف أن مهمة الإمامة تستوجب أن يكون الإمام عالماً بما يحتاج إليه الناس، في اُمور معاشهم ومعادهم.

ولابد أن يكون أفضل من على وجه الأرض في زمانه ، كي يتأتى له أداء مسؤوليته.

والشيعة تعتقد بأنّ الرسول ليس له دور مستقل في تعيين الخليفة، بل يتم نصبه والنص عليه بأمر من الله، لأن الغاية من الإمامة وملاكها مرتبط بموضوع ختم النبوة واستمرار الهداية الربّانية على طول الخط، والحكمة من ختم النبوة، مرتبطة بتعيين الإمام المعصوم، والإمام هو الذي سيتكفل بتوفير المصالح الضرورية للاُمة الإسلامية بعد الرسول.

إذاً، فالإمامة قيمتها عقائدية لا كحكم فقهي فرعي ، وهذه النكتة هي التي تجعل شروط الإمامة بهذه الضخامة والسعة، وانّها تتجاوز شروط القيادة السياسية.

فإذا كانت مهمة الإمامة تتسع لمهمة أكبر من القيادة السياسية، استلزم أن تكون العصمة أحد شروطها كما هي في النبوة.


المدارس الاُخرى

أصحاب الحديث:



يقول أصحاب الحديث بجواز الكبائر على الأنبياء قبل النبوة، وقال البعض منهم بجواز الذنوب حال النبوة باستثناء الكذب فيما يتعلق بأداء الشريعة.

ومنهم من قال بجواز الذنوب حتى حال النبوة بشرط أن يكون الذنب في السرّ دون العلانية.

ومن أصحاب هذا الاتجاه مَن يذهب الى جواز الذنوب في كل الأحوال.


المعتزلة:

واختلف المعتزلة في مسألة العصمة وحدودها الى عدة آراء:

الأول:قالوا: إنّ وقت العصمة يبدأ من حين بلوغ المعصوم، ولا يجوز عليه الكفر والكبيرة قبل النبوة، ويجوز عليهم الصغائر، إلاّ الصغائر الخسيسة المتفردة كسرقة حبة أو لقمة، وكل ما ينسب فاعله الى الدناءة والضعة.

الثاني: قالوا لا يجوز أن يأتي المعصوم بصغيرة ولا كبيرة على جهة العمد، لكن يجوز على جهة التأويل أو السهو.

الثالث: قالوا لا يقع من المعصوم ذنب إلا على جهة السهو والخطأ، لكنهم مأخوذون بما يقع منهم سهواً وإن كان موضوعاً من اُممهم لقوة معرفتهم وعلو مرتبتهم .

الرابع: لا تقع الكبائر ولا حتى الصغائر المستخفة من الأنبياء قبل النبوة وفي حالها.


الأشاعرة:

قالوا كل ذنب دق أو جل فإنّه جائز على الرسل، فإنّ الأنبياء معصومون في زمان النبوة عن الكبائر والصغائر بالعمد، أما على سبيل السهو فهو جائز.

وقالوا: بجواز صدور المعصية من النبي قبل النبوة.

وعرّفها البعض منهم بأنّها: ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها[جامع العلوم: 2/325 ].

ومنهم من قال: تعني أن لا يخلق الله في العبد الذنب[المصدر السابق: 1/184 ].

فتعريف الأشاعرة على أنه سبحانه لا يخلق في المعصومين الذنوب يفهم منه أن خلق الذنب في غير المعصومين جائز على الله، وممكن في حقّه وهذا يعني نسبة العمل القبيح الى الله تعالى، وفي اعتقادنا أن المولى لا يصدر منه إلاّ الحسن ولا يفيض منه إلاّ الكمال، فالله لا يخلق الذنوب في أحد من العباد فضلاً عن المعصومين.

وذهب أصحاب الحديث والمعتزلة معاً الى جواز الكبيرة والصغيرة في الإمام، لكنهم قالوا: إن الكبيرة تفسد إمامته، ويجب عزله والاستبدال به.

وبعد أن اتّضح مفهوم العصمة وحدّها عند المدرستين نشرع في تناول باقي الفقرات، والتي بها نأمل أن يتأطّر المفهوم الإسلامي للعصمة من خلال رؤية مدرسة أهل البيت(عليهم السلام).


مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)

قال الشيخ المفيد: العصمة لطف يفعله الله بالمكلف ، بحيث يمتنع منه وقوع المعصية وترك الطاعة مع قدرته عليها[النكت الاعتقادية مصنفات الشيخ المفيد: 10/37].

وقال السيد المرتضى: العصمة ما يمتنع عنده المكلف عن فعل القبيح والاخلال بالواجب، ولولاه لم يمتنع عن ذلك، ومع تمكينه في الحالين، الأمر الذي يفعل الله تعالى بالعبد، وعلم أنه لا يقدم مع ذلك الأمر على المعصية بشرط أن لا ينهي فعل ذلك الأمر لأحد الى الالجاء[الحدود والحقائق للسيد المرتضى: 167 ]، وعرفها في الرسائل فقال: هي اللطف الذي يفعله تعالى فيختار العبد عنده الامتناع من فعل القبيح[الرسائل للسيد المرتضى: 3/325].

وقال الشيخ الطوسي: إنّها الملكة النفسانية الحاصلة للأنبياء والأئمة(عليهم السلام) في تتابع الوحي وتصور الفجور ورذالة الموبقات وخسّتها، وإنّها القوة العقلية والطاقة النفسية في المعصوم الحاصلتان من أسباب اختيارية وغير اختيارية[تلخيص الشافى للشيخ الطوسى: 1/71].

وقال العلامة الحلي: ذهبت الإمامية كافة الى أن الأنبياء معصومون عن الصغائر والكبائر، منزّهون عن المعاصي، قبل النبوة وبعدها، على سبيل العمد والنسيان وعن كل رذيلة ومنقصة، وما يدل على الخسة والضعة، وخالفت المذاهب الاُخرى كافة في ذلك وجوّزوا عليهم المعاصي وبعضهم جوّزوا الكفر قبل النبوة وبعدها، وجوّزوا عليهم السهو والغلط[دلائل الصدق: 1/368 ].

وعرّفها الشيخ المظفر بأنّها: التنزّه عن الذنوب والمعاصي صغائرها وكبائرها وعن الخطأ والنسيان[عقائد الإمامية، الشيخ محمد رضا المظفر: 54].


ثالثاً: ضرورات العصمة

وضرورة العصمة في النبوة تتجلى من خلال معرفة الأدوار والمهام الإلهية التي جاء بها الأنبياء، وقد بيّن القرآن الكريم تلك المهام والمعالم والأهداف بما يلي:

1 ـ الدعوة الى التوحيد: سعى الأنبياء(عليهم السلام) الى تحرير الناس من كل ألوان العبوديات، واخلاص عبوديتهم لله ومن أجل تحقيق هذه المهمة والارتقاء بالناس الى مستوى فهم الكمال والعبودية بمختلف صورها، وقد تعرضوا لشتى أنواع العذاب والاضطهاد ، قال تعالى: ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ)[النحل: 36] ، وواضح أن أمر العبادة لم يكن أمراً يسيراً، لأنه المحور الذي تتفرع عنه أنشطه الحياة وهي الراية التي نشب الصراع حولها منذ خُلق الإنسان.

2 ـ حمل الرسالة وإيصالها للناس: يقوم الانبياء(عليهم السلام)بايصال الرسالة، والنصائح الإلهية للبشرية، لتوقف إدراك المصالح والمفاسد على الرسالة ووضوحها، ولهذا مارس الأنبياء دورهم في بيان عجز البشرية عن إدراك العدالة ومعرفة الهداية بأنفسهم مالم يرتبطوا بفكر السماء ويتولوا حمله، قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ)[الروم: 47] و قال تعالى: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ )[الأعراف: 68 ] .

3 ـ تحقيق العدالة: لم تقتصر مهمة الأنبياء على الانذار فقط ، أو بيان المعالم النظرية للرسالة وإثبات ضرورة الإيمان ونبذ الآلهة المتعددة التي لا تجر إلاّ الى الظلم والفساد. ولم تتركز باتجاه التربية الفعلية فقط ، بل تتعدى ذلك فتدخل في تفاصيل حياة الناس وتهدف الى إزالة الظلم ومواجهة المستكبرين ، قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتـبَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز) [الحديد : 25 ].

4 ـ البشرى والانذار: مهمة اُخرى في عمل الأنبياء (عليهم السلام) تلك هي النصح للاُمة والاخلاص لها وتحذيرها من مخاطر الشرك، وما سيؤول إليه من انهيار للحضارات، وتبصيرهم بسنن الله في الخلق، وأن بعد الموت حياة اُخرى يعاقب فيها المسيء ويثاب فيها المحسن ، قال تعالى: (رسلاً مبشرين ومنذرين)[النساء: 165] وقال تعالى: (يا أيّها النبي إنّا ارسلناك شاهداً ومبشراً ونذيرا)[الأحزاب: 45 ].

فإذا كانت النبوّة تبلغ عن الله رسالته وأحكامه للناس، وتستهدف الأخذ بهم نحو الكمال الإنساني، وتتسع أهدافها لتشمل أكثر من بعد، فلابد لها إذاً من لياقات وطاقات استثنائية تؤهل الرسول للقيام بهكذا مهمة، من هنا تأتي العصمة كواحدة من تلك المؤهلات ذات التأثير البالغ في عملية التربية والاصلاح، لأن حصول الثقة والاطمئنان يشكل عامل حب له من قبل الناس وبالتالي قبول أقوال النبي والاقتداء بأفعاله التي تمثل رضى الله، فلو لم يحصل النبي على هذه الدرجة من الثقة لما أمكن التسليم لرسالته. قال الفيلسوف الطوسي: (يجب في النبي العصمة ليحصل الوثوق فيحصل الغرض)[كشف المراد: 217 ] ويمكن تلخيص ضروراتها بما يلي:

1 ـ لما قلنا إن الغرض من بعثة الأنبياء هو الهداية وإبعاد الناس عن الظلم والفساد، وهذا الغرض لا يحققه غير المعصوم، لأن الوسيلة للهداية هي الاقتداء بأفعال وأفكار هذا الإنسان ولا يقوى على حمل هذه المسؤولية إلاّ المعصوم ، لأنه أدرى الناس بمقاصد الله وأحكامه، والعقل يدرك بأن المعصوم دون غيره هو الأعرف بغرض الله وتعاليمه، لأنه أكمل الناس في الصفات ولولا ذلك لما كان معصوماً، والأكمل أقوى حجة وأنفذ في تحقيق الغرض الكامل الذي يريده الله.

أما غير المعصوم فيكون عرضة للخطأ والنسيان، فلا يمتلك القابلية والأهلية للهداية، وذلك لمساواته مع الناس، من حيث التصرف والسلوك.

2 ـ فلو قيل: رغم ضخامة مهمة النبوة أو الإمامة وسعة المسؤولية فيهما إلاّ أن العصمة غير ضرورية في النبي أو الإمام، لإمكانية التبليغ بدونها. قلنا: هذا غير صحيح ، لأن مسألة تفهيم الناس معنى العبودية وتربيتهم وإرشادهم لطريق الحق وإبعادهم عن الفساد وتنازلهم عن مغريات الدنيا تحتاج الثقة والجاذبية نحو شخص المرسل لأجل أداء دوره. أما النبي الذي يحتمل فيه الخطأ والنسيان والسهو أو ارتكاب الجرائم والعصيان فسوف يؤدي الى ابتعاد الناس عن شخصه ، وبالتالي حصول النفرة والاشمئزاز منه، ويصدق بحقه الخطاب الإلهي : (أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم)[البقرة: 44 ] .

3 ـ والقول بعدم عصمة الأنبياء في السهو والخطأ والنسيان ، وكل ما أثبتناه لمعنى العصمة في المنظور الإمامي يجرنا الى جواز الطعن والشكّ في شرائعهم ، وهذا الشكّ يتفرع عنه عدم الوثوق بأقوالهم لاحتمال الخطأ والنسيان، فالزيادة محتملة في أفعالهم وأقوالهم ، ومن المحتمل عندئذ أن تجر النبيّ الشهوة، ويسقط في الاغراء، وتضعف ذاته، فيأمر وينهى انطلاقاً من تلك المؤثرات والرغبات النفسية، كما هي اعتراضات بعض الصحابة على رسول الله عندما قرر مثلاً الصلح مع المشركين، أو أمر بعدم قتل عمّه العباس في بدر ظنّاً منهم بأن هذا ميل للعمومة.

4 ـ والقول بعدم عصمة النبي أو الإمام يعني القول باجتماع الأمر باتباعه والنهي عن امتثال أمره، فلو فعل النبي أو الإمام معصية واقترف خطيئة ، ففي هذه الحالة ماذا يفعل المكلف والمأمور باتباعه والمقتدي بأفعاله، فهل يجب عليه الاتباع والاقتداء بسيرته أم ماذا؟

فإذا فعل المكلف القبيح فمعناه أنه خالف أمر الله بهذا الفعل واستحق عقابه ، والحال انّه منهي ، لأن الله لا يأمر بالقبيح، وإذا لم يفعل فقد خالف ، لأنّه مأمور من قبل الله بطاعة النبي مطلقاً، وبهذا تنتفي فائدة البعثة، وهذا يعني اجتماع المفسدة والمصلحة والمبغوضية في موضوع واحد وفي مصداق واحد.

5 ـ والقول بعدم عصمة النبي أو الإمام سواء مطلقاً أو بالتفصيل يستلزم منه أن يكون النبي أو الإمام أدون الناس ، لأنه في حالة ارتكاب المعصية أو الخطأ سيؤدي الى هبوط مقام النبي، فينزل به الى مستوى البساطة لا بل يكون أقل قيمة واعتباراً بين أفراد المجتمع، بينما المقام الذي تصدّى له مقام عظيم ، ولهذا نجد القرآن الكريم يخاطب نساء النبي بغير لسان فكيف بالنبي.


رابعاً: العصمة والاختيار

لم تكن عصمة الأنبياء والأئمة هي عدم ارتكاب المعصية فحسب، إذ من الممكن أن لا يرتكب الفرد العادي معصية خلال عمره كلّه، وخاصة لو كان عمره قصيراً، بل نعني به توفره على ملكة نفسانية قوية، تمنعه من ارتكاب المعصية حتى في أشد الظروف، وهي ملكة تحصل من وعيه التام والدائم بقبح المعصية وارادة قوية على ضبط الميول النفسية، وبما أن هذه الملكة لا تتحقق إلاّ بعناية إلهية خاصة، لذلك تنسب فاعليتها الى الله، وإلاّ فإنّ الله لا يمنع المعصوم من اقتراف المعصية جبراً، ولا يسلب منه الاختيار[دروس فى العقيدة الإسلامية، مصباح اليزدي: 233].

قال الشيخ المفيد : العصمة لطف يفعله الله بالمكلف حيث يمنع منه وقوع المعصية وترك الطاعة مع قدرته عليها[النكت الاعتقادية، مصنفات الشيخ المفيد: 10/37].

وقال نصير الدين الطوسي: العصمة هي أن يكون العبد قادراً على المعاصي، غير مريد لها مطلقاً.

وعدم إرداته أو وجود صارفة يكون من الله لطفاً في حقّه، فهو لا يعصي الله، لا بعجزه، بل لعدم إرادته، أو لكون صارفه غالباً على إرادتها[تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل: 525، باب العصمة].

وتقسم العصمة على نحوين: اختيارية، وغير اختيارية .

الاُولى: فضيلة لهم لأنّهم الذين يتركون داعية الذنوب، فضلاً عن نفسها، بالاختيار، وكفى به فضلاً.

الثانية: ليست بنفسها فضيلة لعدم مدخلية اختيارهم فيها ، ولكن اختصاص هذه الموهبة بهم يكشف عن لياقتهم لإيهاب هذا اللطف العظيم في علم الحكيم، لأن لياقتهم حاصلة بحسن انقيادهم في علمه تعالى، ومن المعلوم أن أحسن الانقياد فعل اختياري لهم، فالعصمة فضيلة اختيارية باعتبارها أو باعتبار مكشوفها من حسن الانقياد.

ثم إنّ ترك داعية الذنوب فضلاً عن نفسها بالاختيار، إما ناشئٌ عن إيمانهم بالله واليوم الآخر ، وقوة إرادتهم مع علمهم بالحقائق وتأثير المعاصي في الدنيا والآخرة، علماً بيّناً لا ستر فيه، أو عن حبهم لله تعالى حباً خالصاً لا يخالطه شيء آخر[بداية المعارف الإلهية فى شرح عقائد الإمامية للسيد محسن الخرازي: 1/249 ].


خامساً: العصمة والعدالة

تُعرف العدالة بأنها ملكة أو هيئة أو حالة أو كيفية، باعثة نحو الاطاعة، بالاتيان بالواجبات وترك المعاصي والمحرمات[الاجتهاد والتقليد، كتاب التنقيح على العروة الوثقى، السيد الخوئى: 254].

وعرّفها البعض بأنها الإتيان بالأعمال الخارجية من الواجبات واجتناب المحرمات الناشئ من الملكة النفسانية.

وفي هذا التعريف اُشير الى المسبَّب عن العدالة، بخلاف الأوّل الذي أشار الى السبب.

وعرّفها آخر بأ نّها الاستقامة الدينية في العمل بوظائف الدين، ومانعة عن المعاصي الكبيرة، وعدم الاصرار على الصغيرة[جامع الأحكام الشرعية : 118 ].

والظاهر من هذا التعريف أنه لم يشر لا من قريب ولا من بعيد الى الملكة النفسانية، بل اعتبرها أمراً خارجياً ، وهي الاستقامة الدينية في العمل.

وقد ذكرت للعدالة دواع ومناشئ:

منها: تسلط القوة العاقلة على العلم العملي، والذي سيستنتج منه أعظم مراتب العدالة، وأقوى درجات الاستقامة لغير المعصوم ، ويكون رادعاً عن المعصية ومانعاً عن ارتكاب الخطيئة، رغم وجود المقتضي لفعلها والدافع لارتكابها.

ومنها: أن يتحرك الإنسان بداعي الثواب والخوف من العقاب.

ومنها: ما قد يكون الداعي لتبني العدالة عاملاً خارجياً، كالشرافة والمنزلة الاجتماعية التي تمنعه من ارتكاب المعاصي.

لكن هذا الداعي لا ينسجم مع المعنى الاصطلاحي للعدالة، الذي يشترط في العدالة أن تكون بدافع الانقياد للمولى والطاعة له، وهذا غير متحقق بهذا اللون من الدوافع .

ومن هنا يتحصل أن المعصوم لا تصدر منه المعصية مطلقاً ، بل لا يفكر بها أصلاً.

أما العادل فقد يصدر منه الخطأ والمعصية وقد لا يصدر ، وذلك لأن المقتضي لها ودوافعها في النفس الإنسانية موجودة ، كما أن العادل إذا صدرت منه المعصية ثم تاب يرجع الى حالة الاستقامة والعدالة.

وهذه الصفة لا تنطبق على المعصوم.

ولهذا قال العلامة الطباطبائي: بأنّ كليهما ـ أي العصمة والعدالة ـ يمنعان من صدور المعصية، ولكن لا مقتضي للمعصية مع العصمة، وهناك مقتضي للمعصية مع العدالة[الميزان فى تفسير القرآن، للطباطبائى: 11/163].


سادساً: العصيان والاستغفار والتوبة في حياة الأنبياء

احتجّ البعض ممّن يذهب الى جواز المعصية عند الأنبياء ضمن التفصيل المعروف كعدم العصمة قبل النبوة أو جواز المعصية للنبي في غير الأحكام أو جواز السهو والنسيان في حياتهم تماشياً مع المفردات التيوردت في القرآن الكريم، ظنّاً منهم بأنها تشير الى جواز ارتكاب المخالفة عندهم كعصيان النبي آدم وتوبة النبي موسى وإباق النبي يونس واستغفار النبي داود وما الى ذلك ممّا ورد من هذا القبيل في القرآن الكريم، ولماكثر الحديث في هذه المسألة إرتأينا أن لا نخوض في تفصيلات تلك الإشكالات، ونكتفي بالقول الذي يضمن لنا الاجابة على جميعها ويزيح الغبار الذي طرأ على مفهوم العصمة عندهم(عليهم السلام) .

وحين نمتلك المنظور الإسلامي إزاء تلك المشكلات فلا يبقى معنى للتمسك بتلك الايرادات كدليل لصحة القول بجواز ارتكاب المعصية عند الأنبياء.

لقد ورد النهي في القرآن الكريم على نحو ثلاثة أقسام:

1 ـ نهي مولوي إلزامي تحريمي، وملاكه المبغوضية الشديدة للمولى والمفسدة، ومثاله: تحريم الخمر والزنا والكذب.. والى غيرها من المحرمات، فالشارع لا يسمح بارتكابه ويعاقب ويعذب على فعله.

2 ـ نهي مولوي ولكن غير إلزامي ويصطلح عليه بالنهي الكراهتي وفي ملاكه المبغوضية وفيه مفسدة، ولكن ليست بالشديدة التي تصل الى حد الإلزام ، بل يقال فيه مجال للترخيص والفعل مثل كراهة الأكل جنباً وغيرها ومرتكبها لم يخرم طاعة الله وحدود مولويته ، نعم قد فاته الأولى والأفضل بفعله وتصرفه.

3 ـ نهي إرشادي، فليس في فعله مبغوضية، ولا بتحقيقه مفسدة اُخروية وليس له بعالم الحساب والعقاب أي صلة، نعم يترتب على فعله مضار دنيوية ومفاسد آنية في دنيا العبد دون آخرته.

وبعد أن اتّضحت أقسام النهي نأتي الى مسألة أفعال الأنبياء التي قد تُفهم أنها معصية ومخالفة، فنقول: إذا كان النهي الوارد في القرآن بخصوص الأنبياء نهياً تحريمياً وتترتب عليه مبغوضية ومفسدة اُخروية ودنيوية فهذا يخل بالعصمة التي أقرها القرآن الكريم في أكثر من موضع ويلزم منه القول بعدم عصمة الأنبياء ، أما إذا استفدنا واستظهرنا أن المراد بالنهي في القرآن الكريم هو النهي الارشادي فلا يبقى محل للاشكال ولا مورد للاعتراض، وبنفس هذا التصوير يمكن التعامل مع المفردات الاُخرى التي وردت الاشارة اليها في القرآن الكريم.

فالاستغفار أو التوبة وأمثالهما لا تبرر لنا القول بجواز المعصية على الأنبياء.

جاء في حديث علي بن محمد الجهم عن الرضا(عليه السلام) وقد سأله قائلاً:

«يابن رسول الله أتقول بعصمة الأنبياء؟ قال: نعم، قال: فما تعمل في قوله تعالى: (وعصى آدم ربّه فغوى)...

فقال الرضا(عليه السلام): ويحك يا علي، اتق الله ولا تنسب أنبياء الله الى الفواحش، ولا تتأوّل كتاب الله برأيك، فإنّ الله يقول: (وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم)[آل عمران: 7].

أما قوله عزّ وجلّ في آدم(عليه السلام) : (فعصى آدم ربّه فغوى) فإنّ الله عزّ وجل خلق آدم حجة في أرضه وخليفة في بلاده ، ولم يخلقه للجنة ، وكانت المعصية في آدم في الجنة لا في الأرض، وعصمته يجب أن تكون في الأرض ليتم مقادير أمر الله عزّ وجل ، فلمّا أهبط الى الأرض وجُعل حجة وخليفة عصمه الله بقوله عزّ وجلّ: (إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين).

في هذه الرواية اشارة واضحة الى أن اختبار آدم لم يكن في هذه الأرض وليس ذاك عالم تكليف ، لأن عالم التكليف هو الذي يكون فيه آدم(عليه السلام) حجة على العباد وهو عالم الأرض.

كما يمكن القول بأن خطيئة آدم لم تكن معصية لأمر مولوي بل انها تمثل معصية لنهي ارشادي ، ولهذا لم تستتبع عقوبة اُخروية أو طرداً من رحمة الله ، بل أدّت الى فقدان نعيم الجنة. وجعل النبي آدم حجة وخليفة يستلزم منه العصمة التي لا فيها ظلم و لاخطيئة تستوجب عقوبة وعذاب.

أما مفردة الاستغفار فلا شك في عدم حاجة النهي الارشادي الى الاستغفار، كما ليس بالضرورة دائماً أن يكون منشأ الاستغفار هو الذنب، فقد يكون صاحب الاستغفار ذا مقام شامخ فيأتي الاستغفار منه كتعبير عن مقام عالي في العبودية له سبحانه، لأن الاعتراف بالتقصير والشعور بالذنب والذلة أمام عزّة المعبود من أعظم التفاني في معرفة الله سبحانه، ولهذا كان نبي الرحمة(صلى الله عليه وآله) من المستغفرين، وقد ورد في القرآن طلب الاستغفار من النبي رغم عدم ارتكابه أي ذنب أو خطيئة قال تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً)[النصر : 3].

وواضح أن مجيء نصر الله ودخول الناس في دين الله أفواجاً ليس بذنب ليوجب الاستغفار.

أما التوبة فقد فسّرت بمطلق الرجوع بذنب وبدون ذنب، كما في قوله تعالى: (وإليه متاب)[الرعد: 20].

كما تعني التوبة الرجوع من التشديد الى التخفيف[مجمع البحرين: 2/15] ومنه قوله تعالى: (علم أن لن تحصوه فتاب عليكم)[ المزمل: 20] ومن الحظر الى الاباحة ومنه قوله تعالى: (تختانون أنفسكم فتاب عليكم)[البقرة: 187].

ثم لا تنحصر مناشئ التوبة بالذنب ، كما يشهد على ذلك قوله تعالى: (فلمّا أفاق قال سبحانك تبت اليك)[الأعراف: 143].

أي رجعت الى معرفتي بك عن جهل قومي، فلا ذنب في مقام موسى ولا محل للخطيئة حتى يطلب موسى التوبة، وعليه فإنّ معنى التوبة أوسع من الذنب والخطيئة.

وأما الظلم فيمكن تقسيمه الى قسمين:

الأول: ظلم للنفس، وهو ايقاعها في مشاكل الدنيا ومتاعبها ، لأنه لم يرع مواضع الأشياء ومواقعها الطبيعية فينحرف عنها ويضّل وهذا ظلم للنفس، ولكن تحتمل النفس متاعبه ومشاقّه في الدنيا كالذين يظلّون الطريق ويتيهون عن الجادة الموصلة فيتحملون مشاق تيههم.

والثاني: ظلم للنفس بايقاعها في عقاب التحريم وغضب المخالفة الإلهية وكلا القسمين داخلان في تعريف الظلم ولا يصح حمل الظلم الذي ورد على لسان الأنبياء على الظلم الثاني.

وهذا القدر يكفي لتطبيقه على الموارد التي يفهم منها عدم عصمة الأنبياء(عليهم السلام) .


سهو النبي(صلى الله عليه وآله) ونسيانه

استدلّ البعض على وقوع السهو من النبي (صلى الله عليه وآله) ، بأنّ الله سبحانه أمر النبي(صلى الله عليه وآله) ـ بعد نسيانه ـ بعدم القعود مع الظالمين ، حينما يذكر قوله تعالى: (وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) بعد قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيْرِهِ)[الأنعام: 68 ]،[ينقل هذا القول عن الجبائى، راجع بحار الأنوار: 17/98].

والنسيان في الآية المباركة لم يصدر من الرسول(صلى الله عليه وآله) ، فلم يكن الغرض من خطابه(صلى الله عليه وآله)بذلك هو توجيه التكليف إليه، بل المراد من الخطاب هو جعل التكليف لسائر المؤمنين; وذلك لأن الخطابات القرآنية ـ كما ذكر أهل البلاغة وأصحاب التفسير ـ نزلت على نحو: (إيّاك أعني واسمعي يا جارة)[مجمع الأمثال: 1/49، والقائل سهل بن مالك الفزاري]، نظير نهي الأب عندما يريد أن ينهى أولاده عن فعل شيء قبيح فيوجه الخطاب الى ولده الأكبر وهو يعلم أنه لا يفعله فيرتدع الباقون، وهذا الاُسلوب في الخطاب من روائع الكلام، فإن توجيه النهي لأقرب الناس من المتكلم ـ مع ثقته به واطمئنانه بعدم قيامه بالفعل المنهي عنه ـ موجب لردع الآخرين وزجرهم بنحو أقوى من اختصاص الخطاب بغيره وتوجيهه الى الآخر المقصود بالنهي، والمسوغ لهذا اللون من الخطاب مع علم المتكلم بعدم عصيان المخاطب هو وجود ملاك النهي فيه، أي القدرة على المخالفة والعصيان وإلاّ كان الخطاب لغواً، وكذلك الأمر في الخطابات القرآنية ومنها الآية الكريمة المذكورة، فإنّ المصحح لها مع علمه تبارك وتعالى بعصمة النبي(صلى الله عليه وآله) ونزاهته هو وجود ملاك النهي وهو قدرته على المخالفة والمعصية ، إذ العصمة لا تسلب المعصوم قدرته على المخالفة كما مرّ الكلام عنها ، فالله سبحانه وتعالى يوجه الخطاب الى النبي(صلى الله عليه وآله)بعدم الجلوس في المكان الذي يساء فيه الى القرآن والدين حتى يعلم الناس بعدم جواز الجلوس في مثل ذلك المكان وأن هذا الحكم موجه للجميع من دون أن يراد(صلى الله عليه وآله) بقوله: (وإما يُنسينك)أ نّه سيقع في هذا النسيان بالفعل، وعليه فلا دلالة في هذه الآية على تحقق النسيان من النبي(صلى الله عليه وآله)[نفى السهو عن النبى(صلى الله عليه وآله)، لآية الله محمد جواد التبريزي: 38] .

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 04-18-2009, 05:51 PM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
حيدر الكربلائي
الدم الأحمر تفجر
الطويرجاوےِ

 
الصورة الرمزية حيدر الكربلائي
 
وسام الإدارة ADMIN3 وسام الوفاء 
مجموع الاوسمة: 3 (أكثر» ...)
إحصائية العضو









حيدر الكربلائي غير متواجد حالياً

 

 

 

افتراضي


الشفاعـة

مفهوم الشّفاعة

وردت مادة «شفع» في ثلاثين موضعاً من القرآن الكريم، وإذا ما تدبرنا هذه الثلاثين موضعاً أمكننا الخروج برؤية واضحة عن مفهوم الشفاعة في القرآن الكريم، والشفاعة تعني في الاستعمالات العرفية تدخل شخص لدى شخص آخر بهدف تحصيل مسامحة منه في حق أو حكم ثابت في عاتق شخص ثالث. وهذا هو المعنى الذي استعمله القرآن الكريم فرفضه تارة وآمن به تارة اُخرى . ولذا فالشفاعة في القرآن الكريم على قسمين :

1 ـ شفاعة باطلة لأنها تتضمن معنى الشرك، من قبيل قول المشركين عن الاصنام: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)[يونس : 18].

وبطلان هذه الشفاعة أوضح من أن يحتاج إلى بيان ، فهؤلاء هم الذين عينوا الشفعاء لأنفسهم من جهة ، واعتقدوا فيهم تدبيراً وتأثيراً على الله سبحانه وتعالى من جهة ثانية ، وكلتا الجهتين باطلتان، فإن الشفاعة تقتضي بطبعها أن يكون الشفيع مقبولاً لدى المشفّع ، فكيف تكون الأصنام شفيعاً عند الله ؟

ثم إن الشفيع ليس له قدرة مستقلة عن الله سبحانه، وبالتالي لا يمكن افتراض أن يكون مؤثراً فيه ، ولذا فهذه ليست شفاعة أصلاً وإنما ركام من الخيالات والأوهام . وفي ردّها، قال القرآن الكريم : (واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون )[البقرة : 48] ، وأوضح من ذلك قوله تعالى : (ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع )[الانعام : 51] ، وقوله تعالى : (قل لله الشفاعة جميعاً له ملك السموات والأرض )[الزمر / 44] فكلام المشركين عن الشفاعة والشفعاء بلا أساس ولا مستند، لأن الشفاعة رحمة يفيضها الله على عباده عبر وسائط يختارها ويعينها بنفسه، والرحمة لا تدرك المشركين ، والشفعاء وسائط يعينهم الله ولا يختارهم المشركون ، والشفيع واسطة في انتقال الرحمة وليس سبباً فيها ، ولأجل هذه الخصائص بطلت الشفاعة الشركية.

2 ـ شفاعة شرعية صحيحة ، وهي ما كانت بإذن الله ، ومن قبل أفراد رضي الله عنهم وعيّنهم للشفاعة ، ولصالح أفراد رضي الله في الشفاعة لهم ، فهنا ثلاثة شروط . ورد الشرط الأول في عدة آيات، منها: قوله تعالى : (مَنْ ذا الذي يشفع عنده إلاّ باذنه)[البقرة : 255 ] .

وهذه الآية بنفسها دالة على الشرط الثاني لأن الإذن إذا صدر من الله سبحانه يكون إذناً في الشفاعة وفي الشفيع ، بما يعني رضا الله سبحانه وتعالى عن الشفيع . أما الشرط الثالث فقد ورد فيه قوله تعالى : (لا يشفعون إلاّ لمن ارتضى )[الأنبياء : 28] .

وحيث إن القسم الأول من الشفاعة يفتقد إلى هذه الشروط لذا سيجد المشركون أنفسهم في يوم القيامة بلا شفعاء، وسيدركون بطلان الشفاعة التي اعتقدوها، وسيقولون بألسنتهم ( فمالنا من شافعين )[الشعراء : 100 ] .

ونحن إذا تأملنا في القرآن الكريم لاحظنا اتجاهاً عاماً واُسلوباً شائعاً في التعبير عن مظاهر القدرة والكمال; يتمثل بالنفي ثم الإثبات ثم الإفاضة.

فنجد آيات تنفي هذه المظاهر عن غير الله، واُخرى تثبتها لله سبحانه، وقسم آخر يشير الى إفاضة الله بعض هذه القابليات على بعض مخلوقاته، وهذا الاُسلوب بمراحله الثلاثة استعمله القرآن الكريم في مجالات الرزق والخلق والحكم والملك والتوفي. وهو جار في موضوع الشفاعة أيضاً، فان الآيات النافية للشفاعة عن غير الله سبحانه غرضها حصر الكمال والقدرة بالله ونفيها عمن سواه، والآيات المثبتة للشفاعة غرضها بيان أن الذات الإلهية تتصف بهذا المظهر من مظاهر القدرة والرحمة اتصافاً ذاتياً، والآيات التي تثبت الشفاعة لغير الله سبحانه غرضها التأكيد على قدرته ببيان أن هذه القدرة في أعلى مراحلها، بحيث إن الله سبحانه وتعالى قد يتولى الشفاعة بنفسه وقد يحولها الى من يرتضيه من عباده وأوليائه، أي يتصرف فيها وينقلها من نفسه الى أحد أفراد خلقه، ولعلّ من جملة أغراض هذا الاُسلوب القرآني تربية العبد على التعلق بالقدرة الإلهية والرحمة الربّانية المطلقة، وعدم الاعتداد بالعمل الصالح وحده، لأن العمل إنما ينجي في محكمة العدل إذا كان بالنحو المقتضي للنجاة، وهل هناك من يستطيع الادعاء بأنه مستغن بعمله عن رحمة الله سبحانه؟ بل يوغل القرآن الكريم في هذا الاتجاه أكثر حينما يشعرنا بأن الاُمور لا تخرج عن يده وسلطانه وقدرته سبحانه وتعالى حتى عندما يقضي بقضاء حتمي لا تغيير له، كقوله تعالى: ( فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق* خالدين فيها مادامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد* وأما الذين سُعدوا ففي الجنّة خالدين فيها مادامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ)[هود : 106 ـ 108]. فمع أنه تعالى قد حكم بالخلود في النار على الأشقياء، وبالخلود في الجنّة على السُعداء، وجعل هذا الخلود بمنزلة خلود السموات والأرض، ولكنه مع ذلك علّقه على مشيئته ، إشعاراً منه بأن الاُمور لا تخرج من يديه وقبضته حتى تلك التي يُصدر فيها أحكاماً حتمية، فإذا كانت أحكامه تعالى الحتمية لا تسلب عنه القدرة على شيء، ولا تضطرّه الى شيء، ولا توجب عليه شيئاً، فهل تكون أعمالنا أسباباً تسلب عنه القدرة وتوجب لنا عليه النجاة وتضطرّه الى شيء؟!

وإذا كان الله سبحانه وتعالى يؤكد لنا على قدرته المطلقة حتى في مثل تلك الموارد، لبلغت أنظارنا الى هذه القدرة التي لا يحدّها شيء ولا يقيدها شيء حتى قضاء الله وأحكامه نفسه، فمن المناسب جداً أن يشير الى أنّ عمل الإنسان مهما كان صالحاً لا يغنيه عن رحمة الباري تعالى ولا يحدّ من قدرته، واذا كانت مشيئة الله شرطاً في خلود من حكم الله نفسه بخلوده في الجنة أو في النار، فمن الأولى أن تكون شرطاً فيمن لم يصدر بحقه بعد الحكم الإلهي.

وليست الشفاعة إلا مظهراً لإرادة الله ومشيئته ورحمته المطلقة، وهي لا تكون جزافاً بل على أساس ضابطة معينة، فالذي يريد بلوغ مقام علمي رفيع لابد وأن يكون قد أحرز بعض مقدماته، وبلغ درجة قريبة منه، فتكون الشفاعة هنا ذات معنى معقول، وهو المساعدة على بلوغ الهدف. ولا يكون لها معنى إذا طلبها الاُمي الذي لم يسعَ لأي من المقدمات ورغب في بلوغ ذلك المقام عن طريق الشفاعة. وكذلك لا تتم الشفاعة لمن لا رابطة له تربطه بالمشفوع عنده أصلاً، كالجاحد الطاغي على سيده، فإنه لا ينال رضى سيده بالشفاعة، فالشفاعة متممة للسبب وليست موجدة له.

كما أن تأثير الشفيع عند المولى لا يكون جزافاً، فلا يحق له أن يطلب من المولى إبطال قوانين الجزاء والعقاب، ولا إبطال مولويته بحق عبيده، ولا يطلب منه رفع اليد عن أحكامه وتكاليفه، بل لابد للشفيع من أن يسلّم للمولى بمولويته على عبيده، وبقوانينه وأحكامه بحقهم، وبما يجريه من الجزاء عقاباً أو ثواباً لهم.

وإنما يتمسك الشفيع بصفات في المولى توجب العفو والصفح، وبصفات في العبد تستدعي الرأفة والرحمة، كحسن سابقته، وسوء حاله، واعتذاره. أي أن دور الشفيع ليس اخراج العبد من مولوية المولى ودائرة أحكامه وجزاءاته، وإنما يتمثل دوره في السعي لنقل العبد من حكم مولوي الى حكم مولوي آخر.

من هو الشفيع ؟

اتّضح مما سبق أن الشفاعة من جملة خصائص المولوية، فمن اتصف بالمولوية استطاع في دائرة نفوذ مولويته أن يمنح الشفاعة لمن يشاء لتكون مظهراً لرحمة المولى وقدرته في وقت واحد، وحيث إن مولوية الله سبحانه هي المولوية الحقيقية الوحيدة في الوجود، وما عداها مولويات اعتبارية ، لذا كانت الشفاعة من جملة الحقائق المختصة به، قال تعالى: ( قل لله الشفاعة جميعاً)[الزمر : 44] وما عداها إما شفاعة كاذبة; كقول المشركين: ( ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله)[ يونس : 18]. أو شفاعة قد أذن الله بها فهي مأخوذة منه، عائدة إليه; كقوله تعالى: ( لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا)[مريم : 87].

وقد صرّح القرآن الكريم بأن الشفاعة المأذون بها تعطى لأصناف منهم :

1 ـ الملائكة: قال تعالى: ( وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى)[النجم : 26].

2 ـ الشهداء بالحق: قال تعالى: ( ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون)[الزخرف : 86].

والشهداء بالحق هم طائفة من المؤمنين لابد وأن يكونوا أقلّ منزلة من الأنبياء، وأعلى درجة من سائر أفراد الأُمة، ولاشك أنّ أهل البيت(عليهم السلام) يأتون في طليعة هؤلاء بوصفهم أبرز مصداق لمن شهد بالحق وعمل به وجاهد من أجله، فضلاً عن كونهم ممّن نصّ القرآن الكريم على عصمتهم[سورة الأحزاب : 33 / 32].

وإذا طالعنا الأحاديث النبوية الشريفة وجدنا فيها تفسير ذلك :

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «يشفع يوم القيامة الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء»[سنن ابن ماجة : 2 / 3 144 / 4313].

وقال(صلى الله عليه وآله): «الشفعاء خمسة: القرآن، والرحم، والأمانة، ونبيّكم وأهل بيته(عليهم السلام)»[كنز العمال : 1 / 390].

وقد ذكر الشيخ محمّد بن عبدالوهاب نفسه في كتاب (كشف الشبهات): «أن الشفاعة اُعطيها غير النبي(صلى الله عليه وآله) فصح أن الملائكة يشفعون ، والأفراط[الأفراط: المتقدّمون الى الشفاعة ، راجع لسان العرب مادة فرط] يشفعون، والأولياء يشفعون»[كشف الشبهات : 70] استناداً الى أحاديث أوردها البخاري في صحيحه ومسلم في صحيحه أيضاً، وأحمد في مسنده بهذا المعنى كما يلي:.

«... فاقرأُوا إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنةً يضاعفها فيشفع النبيّون والملائكة والمؤمنون...»[صحيح البخاري: 9/798 ـ 800، كتاب التوحيد، باب وجوه يومئذ ناظرة، ح 2239، ط دار القلم].

عن أبي سعيد الخدري، عن النبي(صلى الله عليه وآله)، قال: «قد أعطى كل نبيّ عطية، فكل قد تعجلها، وإني أخّرت عطيتي شفاعة لاُمّتي، وإن الرجل من اُمّتي ليشفع لفئام من الناس فيدخلون الجنة، وإن الرجل ليشفع لقبيلة ، وإن الرجل ليشفع للعصبة، وإن الرجل ليشفع للثلاثة، وللرجلين، وللرجل»[مسند أحمد بن حنبل: 3/397، مسند أبي سعيد الخدري، ح 10764].

وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرأُوا إن شئتم: (إنّ الله لا يظلم مثقال ذرة وان تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً)، فيقول الله عزّ وجل: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون...»[صحيح مسلم : 1/116، كتاب الايمان، باب معرفة طريق الرؤية، ذيل الحديث].

المشفوع لهم

وقع البحث بين علماء المسلمين فيمن تكون له الشفاعة، فقالت المعتزلة : إن شفاعة الرسول(صلى الله عليه وآله) تكون للمطيعين، لأجل زيادة الثواب وعلوّ الدرجة لهم، ولا يمكن أن تكون للعاصين، للآيات الدالة على ارتهان الإنسان بعمله، ولأن الشفاعة لاتمحو الذنوب. وجاء عن أبي الحسن الخياط ـ أحد أعلام المعتزلة ـ أنه كان يحتجّ على القائلين بالشفاعة بقوله تعالى: ( أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ مَن في النار)[الزمر: 19].

وردّ عليه الشيخ المفيد : بأن القائلين بالشفاعة لا يدّعون أن الرسول هو الذي ينقذ المستحقين للنار منها، وإنما يدّعون أن الله هو الذي ينقذهم إكراماً لنبيه والطيبين من أهل بيته(عليهم السلام)[الفصول المختارة ص 78 ط . دار المفيد ].

ورأي جمهور المسلمين أن الشفاعة لأهل المعصية من المسلمين، دون الكفار والمشركين لقوله(صلى الله عليه وآله): «ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من اُمتي»[مجمع البيان : 1 / 104].

وقد استدلّ العلاّمة الطباطبائي على هذا الرأي بالقرآن الكريم، حيث قال تعالى: ( كل نفس بما كسبت رهينة* إلا أصحاب اليمين* في جنات يتساءلون* عن المجرمين* ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين* ولم نك نطعم المسكين* وكنا نخوض مع الخائضين* وكنا نكذب بيوم الدين* حتى أتانا اليقين* فما تنفعهم شفاعة الشافعين)[المدثر : 38 ـ 48] حيث ميّزت هذه الآيات بين أصحاب اليمين وبين المجرمين، وذكرت صفات جرّت المجرمين الى النار وأدّت الى انتفاء الشفاعة عنهم.

ومقتضى هذا البيان، ومن خلال سياق المقابلة والمقارنة والمقايسة ، أن أصحاب اليمين الذين لم يتصفوا بتلك الصفات قد فازوا بشفاعة الشافعين، وكأن مصير المجرمين كان لأجل سببين، أحدهما : ارتكاب مخالفات أساسية في مقياس الدين، ثانيهما: انتفاء الشفاعة بحق من يرتكب مثل هذه المخالفات.

ومن خلال سياق المقابلة نفهم أن مصير أصحاب اليمين ناتج عن انتفاء هذين السببين، فلم يرتكبوا مخالفات أساسية من جهة، بالنحو الذي جعلهم مشمولين بالشفاعة من جهة ثانية، وإن أمكن حصول مخالفات غير أساسية منهم، وحينئذ يكون معنى الشفاعة مطابقاً لقوله تعالى: ( ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيئاتكم)[النساء : 31 ].

فان السيئات مع الاستمرار تتحول الى كبائر ، وبذلك اتّضح : أن الشفاعة لأهل الكبائر من أصحاب اليمين. وقد قال النبي(صلى الله عليه وآله): «انما شفاعتي لأهل الكبائر من اُمتي أما المحسنون فما عليهم من سبيل»[تفسير الميزان: ج1 ص 170. طبعة الأعلمي بيروت].

وبالتطبيق بين هذا الموضع وبين قوله تعالى: ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى)[الأنبياء : 28] يعتقد(قدس سره)أن أصحاب اليمين هم الذين ارتضى الله سبحانه الشفاعة لهم، وأن الارتضاء المذكور في الآية ليس ارتضاءً للعمل، لأن بعض أعمال المشفوع لهم سيئة غير مقبولة، فلابد أن يكون معنى الارتضاء هو ارتضاء الدين، بمعنى كون دين المشفوع لهم مستوفياً للشروط الأساسية المطلوبة.

شبهات وردود

وفي ضوء ما سبق نستطيع أن نجيب على عدّة شبهات اُثيرت حول الشفاعة هي:

أولاً: إن الشفاعة تعني خضوع الله سبحانه لتأثير مخلوق من مخلوقاته .

والجواب : إن المغفرة الإلهية لها عدّة أسباب، منها: الدعاء، والتوبة، والشفاعة.. وكما أن قبول الدعاء والتوبة وتحقق المغفرة بهما، لا يعني خضوع الخالق للمخلوق، وإنما يعني إفاضة الرحمة الإلهية على العبد بعد تحقق شرطها وبنحو قرّره الله سبحانه نفسه ، ولم يفرضه أحد عليه ، كذلك الشفاعة سبب علّق عليه الخالق سبحانه إفاضة الرحمة على عباده، وهذا التعليق جاء لغرض تربوي يتمثل بتوثيق صلة الناس بالأنبياء والأولياء وتوكيد موقعهم كقدوة وقطب وقائد للمجتمع البشري .

وما دام أن الله سبحانه هو الذي فتح باب الشفاعة وهو الذي عيّن الشفعاء وحدّد خصائص ونوعية المشفوع لهم فلا يبقى أي أساس لهذا الإشكال .

ثانياً: إن اللازم من الشفاعة أن يكون الشفيع أكثر رحمة وشفقة من الله سبحانه وتعالى.

الجواب: قد اتضح مما تقدم أن الله هو الذي جعل الشفاعة وأذن بها لمن شاء. فالشفاعة ليست مبادرة يقوم بها الشفيع بنحو مستقل عن الارادة الإلهية ، وإنّما هي باب فتحه الله وحدد شروطه وأشخاصه ليفيض رحمته على عباده عبر الشفعاء ، فشفقة الشفعاء شعاع مستعار من تلك الشمس.

ثالثاً : إن الشفاعة تعني وجود حكمين مختلفين للعبد: حكم قبل الشفاعة، وهو العقوبة بالعذاب، وحكم بعد الشفاعة، وهو النجاة والفوز بالنعيم . فإن كان الأول هو الموافق للعدل والحكمة كانت الشفاعة أمراً مخالفاً للعدل ، وإن كان الثاني هو الموافق للعدل والحكمة كان الأول ظلماً .

الجواب : إن لهذه الحالة نظائر ، ومن نظائرها نزول البلاء على العبد قبل الدعاء أو قبل إعطاء الصدقة أو قبل صلة الرحم ، وارتفاع البلاء عنه بعد تحقق الدعاء أو الصدقة أو صلة الرحم منه . والحكمة قائمة في نزول البلاء وفي ارتفاعه بتلك الأسباب معاً، والأمر كذلك في الشفاعة.

بمعنى أن الذنب الصادر من المؤمن لا يشكّل علّة تامة لوقوع العقاب، بحيث لا يمكن أن ينفك العقاب عنه، وإنّما يشكل مقتضياً للعقاب، فإذا حصل ما يمنع وقوعه لم يقع، وقد وضع الله تعالى مواضع لوقوع العقاب ، كالتوبة، والشفاعة، والأعمال التي تكفّر الذنوب ، فإذا حصل شيء من هذا القبيل امتنع تحقق أثر الذنب.

ويمكن أن يقال : بأن الحكم بالعقوبة قبل الشفاعة موافق لعدل الله ولعمل العبد واستحقاقه، والحكم بالنجاة بعد الشفاعة موافق لرحمة الله وشفقته ورأفته .

رابعاً: إن الوعد بالشفاعة موجب لجرأة الناس على المعاصي.

وجوابه: إن الأمر إذا كان كذلك فلابد من غلق باب التوبة ورجاء الرحمة الإلهية ، فإن حكمة الله شاءت أن يفتح أبواب الأمل بوجه العاصين من عباده، لكي تبقى لهم بقية ارتباط معه ولا يقعون ضحية اليأس والقنوط الذي يؤدي بهم إلى المزيد من التردي والانحطاط .

وسوف لا يكون في الشفاعة ـ كما في المغفرة وقبول التوبة ـ إغراءٌ بالذنوب والمعاصي بحال من الأحوال ، وإنّما هي منافذ للرجاء والأمل ، وذلك لأمرين:

أحدهما: أن الوعد بالشفاعة لم يعيّن أشخاص المذنبين الذين ستُقبل فيهم الشفاعة، فما زال العباد إذاً يرجون أن ينالوها، وليس أكثر ، ومن هنا دخلت في الدعاء على هذا النحو، كما في دعاء الإمام زين العابدين(عليه السلام) : «وشفِّع فيَّ محمداً وآل محمد، واستجب دعائي...»[الصحيفة السجادية (الطبعة المحقّقة) : 2/282].

والثاني: أن المولى تعالى لم يحدد أنواع الذنوب التي تقبل فيها الشفاعة، ولم يصرح بمستوى تأثير الشفاعة ، فهل أنها ستزيل كل ألوان العقاب أصلاً، أم لا ؟ من هنا فالأمر لم يخرج عن دائرة الرجاء الى دائرة الإغراء.

خامساً: إن الشفاعة الجائزة هي أن يدعو المؤمن قائلاً: «اللهم شفّع نبيّنا محمداً فينا يوم القيامة»، ولا يجوز له أن يقول: يا رسول الله اشفع لي يوم القيامة. لأنه من الشرك في العبادة الذي يشبه عمل عبدة الأصنام الذين كانوا يقولون: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)[يونس : 18] وأن الله يقول: (لا تدعوا مع الله أحداً)، وبالتالي فالشفاعة بالصيغة الثانية تكون من قبيل طلب الشفاعة من غير مالكها، وأن طلب الشفاعة من الميت أمر باطل.

وجوابه: إن الشرك في العبادة يقوم على ركنين هما:

1 ـ اعتقاد التدبير والخلق فيمن يُتخذ إلهاً، أو الاعتقاد بأن اُمور الخلق والتكوين قد فوّضت إليه.

2 ـ إبداء الخضوع والتسليم للذات المتخذة إلهاً كتعبير عن العبادة لها. وطلب الشفاعة من الرسول(صلى الله عليه وآله) والأولياء يفتقد هذين الركنين، فليس هناك اعتقاد بقدرة ذاتية في الرسول(صلى الله عليه وآله)على التدبير والخلق، وليس هناك اعتقاد بأن الاُمور قد فوّضت إليه، وليس هناك خضوع وتسليم له بما هو شخص وإنسان، وكل ما هناك أن للرسول(صلى الله عليه وآله) عند الله مكانة ومنزلة رفيعة بحيث جعل له أن يشفع لاُمته.

والآية الواردة في الاشكال بدايتها هكذا: ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرّهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، فالشفاعة الشركية الباطلة جاءت مقرونة بعبادة الأصنام، متفرعة عليها، ومن هنا جاء بطلانها ، وليس الأمر في طلب الشفاعة من الرسول مقروناً بعبادته حتى يكون باطلاً.

ثم إن المعيار في الحكم بالصحة والبطلان ليس هو المشابهة الصورية بين فرض وفرض آخر، ولو كان الأمر كذلك لكان السعي والطواف ونحوهما من جملة مظاهر الشرك ، لأن المشركين كانوا يقومون بهما.

وأما قوله تعالى: ( لا تدعو مع الله إلهاً آخر) فالجواب فيه نفس ما مضى، وهو أن الآية ناظرة الى ما كان من الدعاء بنحو العبادة، واذا كان الداعي يخاطب رباً وإلهاً، فجاءت الآية لتنهى عن عبادة غير الله سبحانه وتعالى في باب الدعاء ، وليست ناظرة الى كل طلب من كل مطلوب، ولو كانت بهذا المعنى لكانت ناهية عن شيء هو قوام الحياة الاجتماعية بحيث لا يمكن افتراض قيام الحياة الاجتماعية بدونه وهو التعاون، وهل يعقل أن ينهى الشرع عن طلب يتقدم به المسلم لدى مسلم آخر ويريد منه إنجازه ؟ وهل يسمى هذا النوع من السلوك دعاءً لغير الله؟

قد يقال: إن الشفاعة ليست من هذا النوع، وإن وجه الاشكال فيها أنها طلب شيء من خصوصيات الإله والمعبود، وأن الآية ليست ناهية عن كل طلب، وإنما هي ناهية عن طلب ما كان من خصوصيات الاُلوهية، وأن هذا النوع من الطلب من مصاديق دعوة غير الله سبحانه.

والجواب: إن طلب الشفاعة من الرسول(صلى الله عليه وآله) لا يراد به اظفاء خصوصية الاُلوهية عليه(صلى الله عليه وآله)حتى يكون من قبيل دعوة غير الله سبحانه، بل لمّا ثبت أن الله سبحانه وتعالى قد أذِن للرسول(صلى الله عليه وآله)بالشفاعة جاز لنا أن نطلب ذلك منه، كما نطلب حاجتنا من كل قادر عليها، وهو طلب يؤكد التوحيد وليس فيه شائبة من الشرك، لأنه ينتهي الى إذن الله سبحانه. وإنما أبطل الله الشفاعة الشركية بقوله تعالى: ( ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) لأن هذه الشفاعة لا تنتهي الى إذن الله سبحانه ، فإن الله لم يأذن في شفاعة هؤلاء، ولم يجز للإنسان أن يختار شفعاءه بنفسه، وإنما أجاز له أن يطلب الشفاعة ممن هو مأذون من قبله تعالى في ذلك، وشفاعة الرسول(صلى الله عليه وآله)من هذا القبيل .

وأما قولهم: «إن طلب الشفاعة من الرسول(صلى الله عليه وآله) طلب لها من غير مالكها» فقد اتضح جوابه، فإن المالك الحقيقي للوجود هو الله سبحانه وتعالى، وكل مالك عداه إنما يملك بالملكية الاعتبارية الصورية، فإن كان الغرض من هذا الاشكال عدم جواز طلب شيء إلا من مالكه الحقيقي وهو الله سبحانه وتعالى، فهذا المعنى يلزم منه إبطال الحياة الاجتماعية القائمة على التعاون والتبادل وطلب الأشياء ممن يملكها بالملكية الاعتبارية، وطلب الشفاعة من الرسول(صلى الله عليه وآله) طلب لها من مالكها الاعتباري، بعدما ثبت أن الرسول(صلى الله عليه وآله) مأذون من قبل الله سبحانه في الشفاعة لاُمته، وإذا كان طلب الأشياء ممن يملكها بنحو الملكية الاعتبارية باطلاً وشركاً، فلتتوقف الحياة الاجتماعية لأنها حياة لا تقوم إلا بما هو شرك باطل!!

وأما قولهم الأخير بأن: «طلب الشفاعة من الميت أمر باطل وأن شفاعة الرسول(صلى الله عليه وآله)من هذا القبيل» فهو أوهن من بيت العنكبوت، وهو لا يتناسب مع إنسان يؤمن بالغيب، وإنما يتناسب مع إنسان مادي يرى المادّة خلاصة الوجود وحدّها الأخير، فنحن لسنا ممن يؤمن بأن الجسد هو بداية الإنسان ونهايته، فاذا مات واُقبر واُلحد انتهى كل شيء، وإنما نؤمن بأن الحقيقة الإنسانية متجسدة بالروح، وأن الجسد مظهر مادي لهذه الحقيقة وأن الموت ينال الجسد ولا ينال هذه الحقيقة، هذا بالنسبة لكل إنسان، أما الأنبياء والأولياء المقربون من الله سبحانه وتعالى فلأرواحهم شأن خاص ومنزلة خاصة ليس بوسعنا إدراكها، وبالتالي فنحن لا نطلب الشفاعة من الجسد الميت، وانما نطلبها من الروح التي لا تموت، نطلبها من روح إنسان هو أشرف الأنبياء والمرسلين، ولو كانت علاقتنا بالرسول(صلى الله عليه وآله) علاقة بجسد ميت فما معنى سلامنا عليه في الصلوات اليومية الخمسة؟ وما معنى شهادة الرسول(صلى الله عليه وآله) علينا وعلى أعمالنا كما هو صريح القرآن الكريم؟

وبعد كل هذا فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنّه علّم بعض أصحابه التوسل به وطلب الشفاعة منه، وذلك في المشهور من قصة الأعمى الذي شكى الى النبي(صلى الله عليه وآله) حاله، فأرشده أن يتوضأ ويصلي ركعتين، ثم يقول بعدهما: «اللهم إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيّك محمد نبي الرحمة، يا محمد يا رسول الله، إنّي أتوجه بك الى ربّي في حاجتي ليقضيها، اللهم فشفّعه فيَّ» فعل ذلك فردّ الله إليه بصره.

وقد نقل ابن تيمية نفسه هذه القصة ونقل عن الكثير من السلف العمل بهذا الدعاء في حياة النبي وبعده[انظر: ابن تيمية / التوسل والوسيلة: 97 ـ 106]

خلاصة البحث

إنّ الشفاعة رحمة يفيضها الله على عباده عبر وسائط يختارها ويعيّنها سبحانه وتعالى لأهل التوحيد، كما نصّ على ذلك كتاب الله تعالى ونصوص السنّة النبوية الشريفة.

وليس فيها شيء من الشرك ، بل هي شاهد آخر على إرادة الله المطلقة وقدرته الفائقة ورحمته الواسعة ولطفه العميم الذي جعله لمن كان قابلاً لذلك

 

 

   

رد مع اقتباس
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
للرد, مذهب, الثاني, البيت, الجزء, السلام, الشبهات, النارية, اهل, علي, عليهم


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة



جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 09:03 PM.


منتديات أبو الفضل العباس
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات أبو الفضل العباس عليه السلام
  سوالف البحرين لخدمات التصميم